خلف السور سور

.

أنت لا ترى المكان، جلّ ما تراه هو الباب والنوافذ والجدران. وهذا لا يصف شيء. أحدثك الآن من الداخل ولا استطيع أن أنقل لك الصورة كما أراها أو كما أشعر بها. 

حولي أشياء لها أسماء، وأشياء أكثر لا اسم لها. مثل الشعور الذي يتبع الكلام بعد أن تقوله دفعة واحدة ثم تفكر إن كان مناسبًا أم لا؟ وهل عليك الصمت المرة المقبلة؟ ليس شعور الحيرة ما اعنيه إنما رغبة التراجع، العودة خطوة إلى الوراء، لكنك تعلم  لا يمكن أن يحدث هذا إلا وقت الحساب. حتى ذلك الوقت يتكرر المشهد أمامك عشرات المرات دون أن تستطيع تعديله أو تبديله ولا إنكاره أو حتى تبريره.

ضوء النهار لا يطابق الظلام رغم أن المكان واحد، في العتمة يضيء الصوت، وتبهت الملامح، وتنحني الأشياء لتصطدم بك! تنسى ماهي ثم تذكرها في النهار. فالتي ضربت خاصرتك اسمها طاولة، والذي حاول افتراس إصبع قدمك الصغير ليلًا مجرد كرسي!

.

انظر نحو الناس يبدون كالحصون المنيعة، لا تدري ماذا يوجد خلف جلودهم. أنا بشر مثلهم واشعر أن عيني تذوب من مكانها كالشمع، لكن لا أحد يقول: هيه عينك تحترق! 

جلّ ما أراه منهم هو أبواب أفواههم، ونوافذ أعينهم، وجدران صدورهم، وهذا لايصف شيء! أحدثك الآن من الداخل ولا استطيع الرؤية، المكان مُعتم تمامًا هنا، الشمس لا تشرق في جوفها، ونبض قلبها هو الصوت الوحيد الذي اسمعه، وجولة الدم هي كل ما يمكنني الشعور به.

الإعلانات

الوشم:  حكم مُؤبد وألم مؤقت.

.

كيف يمكن أن يكشط أحدهم جلده ليحصل على أثر دائم لفكرة طارئة في عقله؟ كتبت في سيرتي الذاتية أني أجيد البحث عن أسباب لكل الأشياء، كلها بلا استثناء، لذلك سأفكر بعشرة أسباب تجعل شخص يقوم بوشم جلده برسمة دائمة، شخص يقرر أن تدخل الإبرة بألوانها لتقيم أسفل جلده للأبد.

  • رمز لشعور مؤقت وأمنية المرحلة التي عاشها كطير أو محب.
  • تقليد لآخرين يحبهم، أو يرى أنه يشبههم لذلك يفعل مثلهم.
  • حزين أو غاضب من أمر ما لذلك يذكر نفسه ويتلذذ بإعادة تدوير حزنه.
  • مجرد شعور بالملل كما يفعل أيّ سجين، ليقضي فترة ملله في تأمل وشمه.
  • يعتبر الوشم كقطع الاكسسوار والزينة ليبدو أجمل. أو ليخفي أثر حرق قديم أو إصابة أو وحمة ولادة.
  • تعجبه لوحة أو بيت شعري ولا يدري أين يضعه لذلك يختار جسده كجدار متنقل، الأمر يشبه أدب الشوراع، بمسمى مختلف أدب الجلود.
  • وثيقة امتلاك شخصية يضعها المالك ليخبر الآخرين أنه يمتلك هذا الفرد دون سؤال، يكفي أن ترى الوسم على جلده. -نعم وسم بدون نقاط على س –
  • أو أنه شخص من الماضي رسم على جلده خريطة ليتمكن من الوصول إلى المستقبل.
  • أو أنه شخص قديم يعرّف نفسه بوشمه فهو لا يملك رقم وطني ولا جواز سفر.
  • أو أنه نفس الشخص القديم دوّن أسماء كل الذين يحبهم ليتذكرهم، فهو لا يملك قائمة أصدقاء في هاتفه، لم يُخترع الهاتف بعد.

هل سأفعل ذلك يومًا ما؟ أعني وشم جلدي، بالطبع لا، فما أفضله اليوم لا أدري إن كان سيدوم. فلماذا أحكم بالديمومه لأمر مؤقت؟ من الجيّد أن الطريق مسدود اجتماعيًا ودينيًا لستُ أفكر بتجاوز ذلك.

إن جروح الطفولة، وحروق المطبخ تفيّ بالغرض، حتى وإن لم تكن ملونة، يكفي أنها تحمل قصة ترويها لأحدهم عندما يكون هناك متسع من الوقت، الوقت الذي يكون بلا تغطية انترنت.

.

مخرج:

هل فكرت يومًا لماذا يقوم البشر الآن بوشم أنفسهم؟ ولا تفكر في عبارة “وشم على القلب” فكرت بها كعنوان ووجدته باهت وركيك وبلا معنى، لا يمكن لأي إبره أن تستقر في قلبك وتستمر في العيش بشكل طبيعي، وأنت طبيعي أليس كذلك؟ 

مخرج آخر باللون الأبيض للبيضاء بدرية:

حاولت أن لا اكتب عن الكتابة، فوجدتني اكتب عن الكتابة على الجلد هه.

من ابتلع آخر الشكوى،  ولم يُبقِ منها سوى الشكّ؟

.

لا تكتب أيّ نص بعد منتصف الليل، وإلّا اكلت العفاريت نصوصك ثم أعادت ترجمته إلى طلاسم غير مفهومة. لتستيقظ في الصباح، وتجد قصص جنونك وانفصال عقلك الذي حدث عند نوم الآخرين، فلا أنت تدري ماكنت تكتب، ولا تستطيع إنكار أن كل مانشر مكتوب بخط يدك، فتجد نفسك وجبة الصباح تلوكها أفواه الجائعين، المستيقظين باكرًا، الذين لا يجدون حرجًا من بعض الإضافات الجانبية التي تُشبع الألسن وتزيد من جوع العفاريت لتبحث في الليلة التالية عن ضحية يكتب نصه المبتور قبل أن ينام.

.

خذ العبرة من الآخرين، ولا تقل أنك مُختلف، كلنا متشابهون، نبدأ بالشكوى ولا ندري أننا نزرع بذور الشك في صدر من يقرأ ويسمع، والسقيا تأتي سريعًا من خيالات تحول البذرة الواحدة إلى متاهة شوك لايمكن لبشريّ أن يقطعها إلا ومزقته ألف ألف قطعة.

. 

ولأني مازلت عالقة في متاهة الشوك منذ وقت طويل، استطيع أن أمثّل الشخص المصلوب الذي يضرب به المثل لأخذ العظة والعبرة، يشير الآخرون نحوك يدعون السلامة لأنفسهم، ولي بالخلاص. كانت البداية بعد الثانية عشر بعشر ثوان، شكوت على الورق قلة الأفكار، وصعوبة الاسترسال في فكرة واحدة، وعندما جاء الصباح، علمت أن العفاريت أكلت سطري ثم اجترته قائلة: “إنها تقول أن الورق مسموم ولا يصلح للكتابة”. لذلك اختفى الورق حول العالم! 

ومن ذلك الوقت حتى الآن، لم يعد للورق وجود، هاجر الورق واصبحت الكتابة الكترونية.

 ألم أقل لك أن شكواي تحولت لشك.

مسودة: الاستشفاء بالكتابة..

.

اليوم الـ ٢٨

مجهول لايمكن تميزي بين الملايين. رغم ذلك سجليّ ضخم لا استطيع إحصاء كلماته، جلّ ما أرجوه هو ستر الله من أفكاري المصبوغة بالأسود، ومن تلوني حين طلبت الحياة اللون الأبيض، ومن صمتي حين ضجّ المكان بالسؤال وأنا أملك الإجابة لكن آثرت صمت السلامة الشخصية تلك التي تحمي جلدي من خدش العتاب ومن ملامة اللائم قويّ اللسان.

.

اليوم الـ ٢٧

في ذاكرتي مواقف عادية وصغيرة جدًا لكنها حاضرة حضور اللحظة. ابتسم حين اذكرها ولا أدري إن كان عقلي يفعل ذلك ليجعل اللحظة سعيدة وهانئة؟ 

  •  صوت احتكاك أكياس المُشتريات الجديدة.
  • رائحة التربة المُبللة حديثًا بالماء.
  • حبات الرمان الكثيرة في طبق كبير.
  • صوت سكب الماء لتحضير مشروب دافئ.
  • الصمت رغم اجتماع الأسرة كلها حول سفرة الطعام.
  • رقص الصغار هامسين أن هذه الرقصة خصيصًا لي.

.

اليوم الـ ٢٦

الهواء حولنا رقيق، لا يقاوم سيرنا. يأخذ المساحات الفارغة فور توفرها بلا ضجة. كم ذرعت الغرفة ذهابًا وإيابًا ولم يتذمر. العلب الفارغة يملأها دون أن يخبر ذرات الهواء الأخرى أنه يحتل المكان كرمًا منه. لم يقل وجدتها فارغة لذلك ملأتها. 

حتى في الأماكن الصاخبة والتي يتلون الهواء رغمًا عنه بالتلوث، يصعد مرتفعًا للأعلى حتى لا يخنق أيّ مخلوق، الهواء في أصله نقيّ وشفاف وخفيف وهادئ. يشبه ما أشعر به الآن، أشعر بـ لاشيء.

.

اليوم الـ ٢٥

هيه هل تنصتين؟ مازلتِ تسمعين ما أقول؟ أفضل السير آلاف الخطوات حول كل هذا، على أن أختصر الطريق بخطوة مُبللة بالندم. إن هذا يوجع شيئًا فيّ لا استطيع تسميته، لا استطيع وصفه! تجيبه بصوت خافت: ابحث عن أصل الشعور، عن الذكرى القديمة التي تجعلك خائفًا من خطأ لم يحدث.

تكمل همسها قائلة: تذكر المرة الأولى التي مشيت فيها ثم قيل لك إن السير سيجعلك عليلًا للأبد. لكنك سرت، هل مرضت؟ أم غضب منك الآخرين؟ هل نبذك أحدهم؟ هل صفعك شخص أم جرّك نحوه مع أذنك صارخًا لا تمشِ من هنا مُستقبلًا؟ 

أيها العزيز زالت كل الأسباب وشاب شعرك وانحنى ظهرك ومازلت تختار الطريق الأطول الذي لا يوصلك إلى أيّ شيء! خذ بيدي لن أخذلك، كل الذين غضبوا منك رحلوا، والذي صفعك تحلل في التربه منذ وقت طويل، هات يدك إن الطريق إليّ أقصر مما تظن، هات يدك أرجوك.

يكرر قوله: هل تنصتين؟ أفضل السير بعيدًا عن هنا، أنتِ تسكنين رأسي منذ الخطوة الأولى ولا استطيع رؤية اصبع واحد منك لأمسك به.

.

اليوم الـ ٢٤

مُذنب وأجر خطيئتي معي أحملها بين يدي، ومرة فوق رأسي. ابتلعها حين أشعر أنه حان وقت تجرع العلقم. أخفيها حين أشعر أن الأنقياء حولي كثر. ألملم أطرافها حين يكون اللا أنقياء في طريقي خوفًا من أن يعرفوا أني مثلهم. وأني مجرد هارب لا يستطيع الوقوف أمامهم ويعترف أنه لا يشبه أي شيء عرفوه.

.

اليوم الـ ٢٣

شرب من الماء وربما الحياة حتى فاض الدمع من عينيه قائلًا: ارتويت وربما اكتفيت.

.

اليوم الـ ٢٢

يكفي من الجحيم تلك النظرة الصامتة التي لا تدري ما معناها.

ويكفي من النعيم نفس النظرة الصامتة التي لا تدري ما معناها.

.

اليوم الـ ٢١

حين عدت إلى غرفتي في نهاية اليوم وجدت حلم البارحة مسندًا ذراعيه على طاولة المكتب، ارتديته على عجل متسائلًا إن كانت  الأحلام المتراكمة صالحة للتكديس؟ جديدها فوق قديمها! ألقيت برأسي على الوسادة ونمت سريعًا دون أن أحلم. 

استيقظت صباح اليوم التالي فوجدت أحلامي تفتح الستائر وترتب المكتب المُبعثر من أعمال اليوم السابق.

منذ متى وأحلامي ترعاني حين أنام وتنتظرني حين أغيب؟ رغم تراكمها وازدياد حجمها ومع مرور الوقت لن يكفيها مكان صغير كهذا المكان، عليها أن ترحل يومًا ما، حين افتح عيني على مصراعيها لكن من أطفأ النور؟

.

اليوم الـ ٢٠

عليّ الاعتراف ولو أمام انعكاسي على سطح الماء، أني شخص مجبول على التبرير  والبحث عن أسباب الرفض قبل الموافقة. شعور عدم الاستحقاق، عدم الجدوى، لا وجود لما هو ضروري، تدربت أن أكون غير مرئي تلك سمة باتت تعجبني دون أن أشعر بالتضاؤل أو اللا أهمية. إنما رغبة في الخفة. كما أود في هذا الوقت المتأخر من العمر، أن أتلاشى كنجم، أن أكون رماد، أو ذرة غبار ترتعش أمام الضوء، هذا الرحيل الأبدي الذي أتمناه ولا أريد أن أخشاه، 

خذي إليك إلى الأبدية والرحمة الموعودة.

.

اليوم الـ ١٩

ممسكًا بالنعمة لا استطيع افلاتها، أقلبها وأقبلها مفتونًا بها. قشعريرة من سلام تمر بي، لا يمكن أن أكون في حال أفضل من حالي الآن، لا اشعر بالصداع هذا الصباح.

.

اليوم الـ ١٨

لا أجيد لعبة التنس ولا رمي الكرة بنفس توقيت واندفاع اللاعب الآخر. ولا أجيد أيضًا لعبة التوازن إما أن أظل معلقًا في السماء دون محاولة للهبوط، أو أثبت قدمي في الأرض دون محاولة للقفز عاليًا.

ماللعبة التي تناسبني؟ السؤال المناسب لماذا عليّ أن ألعب؟ يناسبني الوجه المُتجهم، واليدين المستمرة بتقطيع الورق والخضروات. هذه الأصابع يناسبها البحث بين الصفحات وتقليبها بشكل مستمر.

لا استطيع مجاراة لعبة يُنتظر فيها رد فعل سريع وصحيح وذكي، لستُ كذلك، لتحصل على نتيجة مع أمثالي فاكتب مُباشرة.

.

اليوم الـ ١٧

كالحصان الذي حجبت عيناه ليرى طريق واحد. لا استطيع أن ألقي نظري نحو حياة الآخرين لأنها ليست لي، وإن تقاطعت معي في لحظة أو أجزاء من العمر لا استطيع السؤال أو المشاركة. ولا أدري إلى أيّ حد أبدو غير مهتم،  ليس من شأني أن تكون عدد خطوات الآخرين أكثر أو غذاؤهم ألذّ، إني اشبع واستطيع النوم في المساحة المحددة لي.

معزول تمامًا عن العالم  بطبقة رقيقة من السكر الهش لكني لا أرغب بالمشاركة. لا أرغب بالتهام الجهة الخاصة بي. فهناك من يعيش في الجانب الآخر يحاول الحفاظ على جهته من التفتت، يحاول جاهدًا أن تحلو حياته دون تطفل الآخرين مهما كانوا قريبين.

.

اليوم الـ ١٦

يقول واصفًا الموت: أن ترحل دون أن  ترتدي حذاءك.

.

اليوم الـ ١٥

عن اللحظة التي تكتشف فيها أن الأشياء لم تعد لسابق عهدها ولن تعود. ليست كما يُنتزع الناس انتزاعًا من أماكنهم وشعورهم وأفكارهم ليجدوا أنفسهم في وضع آخر. 

كموت مفاجئ، أو حادث ارتطام، أو سقوط ما. يظن أنه يحلم أو يتوهم الأشياء، فيخبره الآخرين بعد حين كيف بدا متماسكًا وصلبًا من الخارج. بينما لم يكن يدري أن ذلك يحدث فعلًا وأن عليه أن يشعر ويقرر لكنه عوضًا عن ذلك يشاهد خلف زجاج من لاشعور يجعله لا يدرك أنه ضمن إطار الصورة.

اتحدث عن لحظة اكتشاف لتغير آخر،  يحدث ببطء دون أن تشعر، كتجربة غليان الضفدع الذي يكتشف انه كان يغلى في اللحظة التي يفارق فيها الحياة فلا يعود بإمكانه القفز أو الهرب. يمر وقت طويل تتبدل فيه الدنيا حولك دون أن تضع تاريخ محدد أو زمنًا بعينه لتغير الأشياء. تصفعك الصور القديمة، والأصدقاء القدماء عندما يخبروك عن الشخص القديم  الذي كُنت. الأمر يشبه خروجك في طقس صحو ثم تعود للمنزل مبللًا بالمطر ، ولا تدري متى اجتمعت الغيوم فوقك وانهمرت أيضًا.

أنا هنا الآن في نقطة اكتشاف الماء المغلي التي استوعبها الضفدع متأخرًا. لا استطيع العودة ولا استطيع المضي قدمًا، أنا عالق في لحظة مابين البين، ولا أدري إن كان النحيب مناسب أم اكتفي بالقفز صامتًا ومبتعدًا.

..

اليوم الـ ١٤

عند حصولك على جملة كـ ” كتاباتها رئة ثالثة لي“* تكتشف أن الكتابة ممتعة. الأمر يشبه لعب تنس الطاولة أن ترمي بالكلمة وأنت تعلم أنك ستحصل على كلمة أجمل وأقوى. ترمي بكرة اسمها استشفاء فتعود إليك بـ أحبك*.

.

اليوم  الـ ١٣

مسمومة كنيكوتين لذلك ابتعد على أمل أنه لن يتمكن من العودة. تاركًا عود الثقاب في جيبه. لكنه لن يُحرق البهجة سيكتفي بوجود فرصة العودة دون أن يعود.

.

اليوم الـ ١٢:

عالم شديد البياض يصعب أن تبصر تفاصيله. عالم فارغ من كل الأشياء العادية. فارغ من محاولات جريئة، فارغ حتى من الخطوات المدروسة. خاو على عروشه لا تسمع فيه حتى صوت فكرة أو جملة ترحيب.

عالم حتى وإن أبهرك نقاؤه يصعب عليك الاستمرار فيه. لا يمكنك العبور ولا الإقامة. يشبه دخولك عالم شديد الوضوح يسبر أغوارك، يُنظر إليك من عدسة مُكبرة. 

تزفر كل الهواء من رئتيك فور عودتك إلى سابق عهدك بعيدًا عن هنا، هذا المكان الذي لا وجود له، ويصعب وصفه، إنه محاولة ملائكية للنقاء من بشريّ عاديّ لم يصطفى.

.

اليوم الـ ١١

قيل في من لا رأي له أن رأسه كمقبض الباب الكل يستطيع أن يديره. وأرى الآن في هذه الظهيرة التي تشوي الدماغ في الخارج أن الشعور والقرارات يمكن أن يديرها الطقس بطريقة أسهل. 

لذلك وكل الأفكار التي تأتي في درجة حرارة مرتفعة – كالصيف والحمى- ليست حقيقية مهما بدت مُلحة، ومهما ظننت أنه لن يهب نسيم عذب خلف هذه اللحظة، ستكتشف أنه على بعد عدة خطوة منك يوجد جهاز يخبئ بداخله درجات حرارة تحت الصفر.

نحن الملتهبين من الخارج تكاد تصل دواخلنا إلى التجمد ولا تدري محتوى الأشياء داخلك فهي مُغلفة جيدًا بطبقة من الجليد.

.

اليوم العاشر:

يسهل كسري بكلمة. ويسهل سحقي بالتجاهل. كما يسهل إنهائي كما تفعل النقطة آخر السطر.

عندما انحنيت اليوم نحو الأرض لالتقط ماسقط من يدي، لمح في خاطري خيالات للناس الذين مررت بهم في سنوات العمر، الذين نسيتهم أو لم أعد أدري ما الذي فعلته من سوء لا يستطيعون نسيانه رغم نسياني.

نحن الذين حين نرحل أو حتى إن بقينا، يُعرّفنا الموقف الرمادي المسودّ والأقرب للتفحم. إن كنت طيبًا حنونًا وكثير العطاء لكنك تميل بوجهك جانبًا حينما تسمع أمر لا يعجبك سيكون وصفك الحاضر في أذهانهم أنك “صاحب الوجه المقطب” ذلك الذي لا يبتسم أبدًا. حتى يُقال أنك مُت! سيبحث في تلال الذاكره عن وجهك المبتسم عند اللقاء و يدك التي تلوح وقت النهاية.

أدري أيضًا أنه يسهل شفائي بكلمة، كما يزداد الطين قوة عند تركه، ويسهل أن تبدأ بعد أيّ نهاية كما تفعل قطرة الماء التي تمطر من جديد بعد أن تجففها الشمس.

.

اليوم التاسع:

اسقيها كل يوم، لم تمت لكنها توقفت عن النمو. ألا يبدو شكل من أشكال الانجاز؟ أو النصف الممتلئ الذي لا أدرى متى سأتمكن من تقبله؟ لم تمت بعد ماتزال على قيد الحياة. أميل برأسي نحوها وأسأل: ماذا تريدين؟ حوض أكبر؟ ماء أكثر؟ موسيقى هادئة؟ اتريدين أن أمسح أوراقك أم تفضلين ذارت الغبار وقطرات الماء على سطحك؟ 

أتعلمين وجدت مثلك في بيت آخر، إنها على قيد الحياة مثلك، إلّا أن أحد أوراقها صفراء، تسألني: هل ستعود خضراء من جديد؟ فأجيب: لا، انظري إلى البرعم الجديد إنه ميلاد لورقة جديدة وستكون خضراء.

هل تنامين في الليل؟ أم أنك تحرسين المكان المظلم الهادئ؟ هل يزعجك صوت لوحة المفاتيح اليومي؟ إني افعل ذلك وأحاول أن يكون هادئًا، كما أني اختصر الكلام قدر استطاعتي حتى لا أزعجك، حتى أني سأتوقف الآن لن اكمل الجملـ …

.

اليوم الثامن:

وصل عدد البشر في ذاكرتي الحدّ الأقصى. عندما أقابل أشخاص جدد أحاول وضعهم في خانة أشخاص اعرفهم مُسبقًا وهذا أمر مجحف، لكنه أسهل.

في الفلم يبدو شكل البطلة مألوف، لذلك قررت أن تكون شخص اعرفه وكان سهل جدًا، إلا أنني فكرت بسؤال من اعرف للاطمئنان عليها بعد مشكلة حدثت في الفلم، الذي بطبيعة الحال لم تشارك فيه، ولا اظن أنها مهتمة بمشاهدة الأفلام.

في الرواية – شجرتي شجرة البرتقال الرائعة  يبدو وصف البطل قريبًا من أحد أطفال العائلة -وجه الشبه العمر فقط- ، انتهى الكتاب ومازالت متعاطفة مع قريبي وغضبت من والديه وبقية أسرته، وعندما سألته من تحب؟ قال: والديه وجميع إخوته. كيف نسي ماحدث له؟ وكيف اذكر أنا عوضًا عنه أحداث لا يمكن أن يعلمها أحد إلاّ مؤلف!

انظر إلى انعكاسي في المرايا وانكرني! لا خانة لي، حتى الحدّ الأقصى من التكرار امتلأ، عليّ تجاهل أيّ تحديث جديد، وأيّ أشخاص جدد حتى لو كانت نسخة محدّثة مني أنا، ومن أنا؟

.

اليوم السابع:

القيامة الصغيرة التي أصنعها في عقلي، في كل مرة أشعر بالسوء من أمر غير مبرر لشخص تصرف بعفوية. تجعلني أشفق كثيرًا على الجميع. بالطبع الاشفاق يشملني أو ربما جزء كبير منه يخصني.

في القيامة الصغيرة عندما انظر للبشر حولي أفراد، لا شيء يؤيهم سوى أعمالهم وطيب نوياهم، ثم أفكر مرة أخرى من أين تأتي قوة الملامة، وأصابع الاتهام التي يشير بها الآخرون نحو بعضهم البعض؟ وكأنهم سعاة بريد أوصلوا الذنب لأن أحد ما طلب منهم ذلك، أو ابتسم مشجعًا لخطوتهم الخاطئة.

في القيامة الصغيرة الممتلئة بالرعب والشفقة والحيرة، أردد كلنا سواسية، نختلف في طريقة الاختبار، ونختلف في اختيارنا للأشياء، مخيرين ومسيرين.

يطويني هذا الهاجس قبل أن أنام قائلًا بصوت أُسمعه لنفسي، يارب  اجعلني ممن يقولون: “هاؤم اقرءوا كتابيه“. يارب كتاب نقي نظيف، وأعمال ترضيك، وأفكار لا تغضبك، وبشر لم يمسهم السوء بسببي، يارب يارب اجعل على لساني يوم القيامة هذه العبارة: “إني ظننت أني ملاق حسابيه“. ظننت وعملت واظن أني كنت خائفًا مُبللًا بالرجاء. لا ترد السائلين لا ترد الخائفين.

.

اليوم السادس:

هل تلاحقك البهجة؟ أم أنك تركض خلفها؟ 

هل تظللك الكآبة؟ أم أنك تجدها تسبقك في كل مكان؟

الشعور جزء منك، لايمكنك اختياره، لا يمكنك تجاهله، لا تستطيع تحديد الكمية الملائمة منه في كل مرة، إنك في كل موقف تحاول أن تكبح تعابير وجهك، بينما الكيمياء تأخذ جولتها عابثة داخلك، داخلك المظلم الذي لا يراه أحد.

وتكتفي بعبارة: اشعر بالغثيان، مُصاب بصداع، لا أرغب بتناول الطعام، والعذر الأكثر تصدرًا هو: لا استطيع النوم.

وفي ثقب عينيك تطل الحقيقية لكنها بلا صوت.

اليوم الخامس:

عندما أحلل المفردات التي اكتبها اجدني لا اتجاوز خمس كلمات: “الطريق، الكتابة، الزمن، الآخرين، الشعور بالذنب”.

وكثيرًا ما اكتب النص ثم أحوّل ضمير المتكلم إلى شخص آخر -سواي-، كمن يُبعد تهمة، أو يحاول أن يشير إلى ظلال الأشياء عوضًا عن شجاعة الاعتراف بوجودها. كم أخاف، وأخاف من أمور لا أدري هويتها على وجه التحديد. لذلك أرى ظلال الحروف أشباح ووحوش وجراثيم يمكنها أن تعرقل سيري في الحياة. الحياة الناصعة التي ألمعها طوال الوقت حتى بهتت ألوانها.

اليوم الرابع:

خدعة الاستمرار عند الانهيار. ليس أن تتجاهل حدوث ماحدث. ولا أن تقف طويلًا أمام برجك الذي امضيت جلّ وقتك في بنائه. أن تعترف بحدوث ذلك، أن تفتح عينيك لترى جيدًا أنك لست تحلم، تعيش حقيقة وإن كانت تشبه الكابوس. إن إغلاق عينيك ليس حلًا. وبعد أن يمر الوقت على ذلك تذكر:

أن ما حدث لك حدث لآخرين وسيحدث مرارًا لغيرك، إن تكرار ذلك يشعرك أنك ضمن عجلة الحياة لن تكون استثناء، لست من الأصفياء، ولست نبيّ، عليك أن تبذل جهدك الشخصي لتجتاز انهيارك أو تبقى بالقرب منه.

ما أود أن اخبرك به يشبه محاولة الوصول إلى آية: ” مَا لَبِثُوا غَيْر سَاعَة“. إن ما يفتت القلب حزنًا أن تشعر بعد كل ذلك الانهيار والألم الذي شعرت أنه لا ينتهي سيتحول إلى ساعة واحدة في العالم الآخر، ساعة بدأت من يوم ميلادك حتى وفاتك. إن كل ذلك سيمضي سريعًا وإن سار كسلحفاة. 

لذلك عليّ كتابتها وقولها بصوت أعلى قليلًا لاجتاز ذلك بشكل أسرع:

“أنا عاديّ مثل الآخرين، وأصاب بالصداع “.

اليوم الثالث:

عندما اخرج في موعد اترك نفسي في البيت. وحين أعود اجدني في انتظاري. 

اليوم الثاني..

مُصاب بأعراض الهروب من البداية. ومصاب أيضًا بأعراض التردد حين أفكر العودة إلى عمل كان جيد. بلا أسباب يمكن قولها بصوت مرتفع. إن كل ما أشعر به هو عبارة “ليس اليوم، إنما في يوم آخر”. دون أن أحدد اليوم الآخر مُطلقًا. 

عملت بجد على كتابة الأهداف، ولوّنتها، وصممت كل التفاصيل، لم يعد هناك سوى أن ابدأ لكن لم أبدأ بعد. عليّ كتابة تاريخ حتى وإن كان بعيدًا، أفكر في بداية العام أمامي شهرين لابتلاع الهروب والتردد ثم القفز والعمل بلا توقف أربع أشهر متتالية.

.

تحديث:

أريد أن أضيف شيء آخر لا علاقة له ببداية العام الجديد، ولا جدول أعمالي. في الحقيقة لا علاقة له بأيّ شيء، كما أنه لاشيء على وجه التحديد. 

عندما كنت صغير، اعرف كيف اكتب لكن لا ادري ما الذي يمكن كتابته، كنت اخبر نفسي أني سأعود إلى الأسطر عندما أكبر، وأن عليّ حينها أن لا أُشعر نفسي بالخيبة فكنت فور انتهائي من الكتابة أمحو كل ما كتبت، أحوله إلى قصاصات صغيرة ثم اتخلص منه. واكتشفت أني حين اظلل الصفحة التي تلي الصفحة الممزقة بقلم الرصاص أجد كل الكلام المكتوب، الكلام الذي ظننت أني تخلصت منه مايزال موجود. والآن اذكر شعوري عندما انتهي من الكتابة،  أن الكتابه لايمكنها أن تحفظ أيّ سر مهما بدا بسيطًا أو حتى غير مهم، إن الكتابة وشم على جلدك لا يزول حتى وإن كشطت جلدك.

اليوم الأول

اكتب، اكتب، اكتب. دون أن تهتم للإملاء وقواعد النحو ورأيك بنفسك فور الانتهاء من الأسطر والنظر لها من بعيد. أو حتى بعد مرور خمس دقائق من الكتابة، أنت على الأغلب ستظلل النص كاملًا وتلقي به إلى اللامكان، ثم تغلق الصفحة.

تعلم أنك لست كاملًا، رغم محاولتك فعل ذلك مئات المرات، ومازلت مستمرًا في بذل جهد ناقص ولا تدري كيف تستوفيه. إن شعور اللا اكتمال يطوق عنقك ويجذبك نحو الأرض. تسير منحنيًا طوال الوقت، لا تستطيع حمل ريشة ولا حتى القدرة على الانصات لقصة جديدة.

كما أن فكرة الكتابة بذاتها اشبه بإعادة تدوير: تكرار للكلمات، تكرار للأفكار، تكرار للشعور، تكرار من أجل التكرار. لا استطيع صنع أي جملة، لكني افعل ذلك لسببين: لأن بدرية تحب ذلك وأنا أحب حبها لذلك أكتب. والسبب الآخر أني اشعر بالخفة فور الانتهاء وكأني بكيت لتر من الدموع، وكأني ركضت حول الأرض دورة كاملة وعرفت أن الأرض صغيرة وأن الكلام المكتوب لن يزيد من حجم الأرض ولن يسبب تلوثًا في أي طبقة من طبقاتها. إن كل هذا الكلام يشبه بذرة إن لم تزهر فهي على أقلّ تقدير لن تقتل أحد.

يا أقرب الناس.. لست أقرب..

أريد ثلاث..

لو سمحت أريد طريقًا سريعًا وسهلًا يوصلني إلى وجهتي. لأني في بعض المرات أجد نفسي توقفت طويلًا في مفترق طرق، ولا أدري أيهما أسرع، والذاهبون لا يعودون لاسألهم أيّ الاختيارين كان أفضل.

من فضلك أريد طريقًا صحيحًا يسهل عبوره، لا يؤذي أحد ولا يؤذيني أيضًا. طريق يشبه السير فوق الغيمة، خفيفًا وعابرًا وسهلًا.

عندما أحدث أحدهم أو بالأحرى يتحدثون معي، أفكر هل أنا عثرة في طريقهم؟ أم أني أساعدهم في المرور؟ هل وجهتهم تشبه ما ابحث عنه فنسير معًا؟ أم أنهم يرغبون سير طريق آخر، أو برفقة أخرى؟ أكثر صبرًا، وأقل ترددًا، يبحثون عن أحد بمميزات طير وأنا بلا جناح؟ 

أعرف وجهتي جيدًا، ولكني بلا خرائط. وبوصلتي تتأثر بمغناطيس أفكاري، تظل الأبرة تدور لأيام دون أن تتوقف. عرفت أني أسير بلا هدى عندما عدت مرارًا لنقطة البداية ظننت أني اقتربت لوجهتي، شعور المُفاجأة يزداد في كل مرة أعود، وأسأل متى سأصل؟ من فضلك أريد جناحًا وبوصلة ومزيد من الصبر.

.

الجانب الآخر..

عندما سقط قلمي أسفل الخزانة الثقيلة التي لا يمكن أن تزاح من المكان إلا بتفكيكها. انحنيت محاولًا التقاطه أو على الأقل قياس المسافة إن كان بعيدًا لا يُرى، أو يمكنه التقاط ذرات من ضوء الغرفة. كان بعيدًا ولا يمكن التقاطه. فكرت بقلم آخر رغم أني أعلم بوجوده.

يحدث ذلك كثيرًا، ليس مع الأقلام فقط. يحدث ذلك الآن أبحث عن الكلمات لكن لا أجدها، تختفي في الجانب الآخر من لساني، أعلم أنها موجودة لكن لا يمكن الوصول لها، فاستخدم كلمات أخرى، كلمات متوفرة لأن ما أريد لا يمكن الوصول إليه.

الجانب الآخر الذي تراه لكن لا يمكن أن تمسك به.

الجانب الآخر الذي يمكنك سماعه دون أن تحبس صوته وتحوله إلى تحفة أو مادة قابلة للتشكيل بين يديك.

الجانب الآخر الذي لاتملكه ولا يمكنه امتلاكك.

.

شيء من بين الأشياء..

في القصة القديمة الذين ركبوا سفينة النجاة هروبًا من غرق مؤكد، لم يحملوا معهم شيء سوى أنفسهم. يشغلني أمر استعدادي وفكرة التخلي عن كل الأشياء. افكر بحمل نفسي وحدها طوال الوقت، أشعر بثقلي وافكر كيف لي أن أحملني عندما يحين وقت النجاة؟

أنا ثقيل كحجر، بل الحجر يمكنه التزحزح، إني أثقل، لي جذور ممتدة في الأعماق، فهل سأغرق؟

.

يا أقرب الناس.. لست أقرب..

يصعب أن أفهم متى وصلت إلى هنا، وكيف كانت تجربة الخطوات الأولى، متى كنت أركض؟ ومتى بدأت المشي دون حساب الخطوات أو انتظار الوصول، أسير فحسب، عندما انتصف الطريق بدأت أفكر كيف حدث ذلك؟ أيّ القدمين أرفع أولًا، هل سرت باتجاه الريح أم عكسه، هل سألت أم أني كنت منذ البدء اتظاهر بمعرفة الأشياء.

يا أقرب الناس لم أكن ألحق بك، تقاطع طريقنا ويبدو أني ابتعد الآن، ولستُ أقرب.

.

هيه أنت..

ليس شعور عدم الاستحقاق ماكنت اكنه لنفسي طوال الوقت. بل كنت أشعر أني شخص غير مرئي، شفاف، صغير جدًا، لا يمكن أن تلتقطني كاميرات المراقبة، ولا أن يلتفت إلي أيّ أحد، ظننت لوقت طويل أني لا أحد، حتى قال أحدهم مُبتسمًا: خذ هذه القطعة، إنها لك.

.

ولـ اختصر عليك القراءة:

أريد ثلاث: جناح وبوصلة والمزيد من الصبر.

الجانب الآخر: لايمكن أن تدرك المستحيل.

شيء من بين الأشياء: الأشياء لاتغرق، تظل راكدة.

يا أقرب الناس.. لست أقرب: كـ مسافة ثابتة بين العقل والعاطفة، بين الاثنين بُعد لا نهائي.

هيه أنت: صوت النداء المزعج المُحبب، إنك موجود مهما حاولت الاختفاء.

بلا سيرة

في استقبال ما، بين أكوام من الورق، كان هناك، لا يرفع رأسه نحو القادمين، يكتفي بمدِ ورقة قائلًا: اكتب سيرتك هنا، ثم ضعها هناك. ستفرز السير الذاتية ثم نعاود الاتصال بك.

الوقت مبكرًا والاعداد تزداد ببطء، لم يتكدس البشر بعد. لكل فرد كرسي يمكن الجلوس والكتابة.

وهناك آخر بالقرب من طاولة الاستقبال، لا يدري لماذا يقف مع الآخرين، ولا يدري لماذا أخذ ورقة مثلهم! يبتلع ريقه، أيّ سيرة يكتب؟ ولماذا يخبر نفسه عن أشياء يعرفها؟ ولماذا يخبر الآخرين عن أمور لا تعنيهم؟

يقرر أن يكتب. يغمض عينيه مفكرًا بالجملة الأولى. ولدت طفلًا وحيدًا يمحوها، لم يكن وحيدًا كان الأول وتلاه عشر إخوه. هذا لايعني أنه وحيد، فلماذا يكتب هذه الجملة كتعريف عن نفسه؟ هل عليه كتابة: أشعر أني وحيد؟ أم يقول أن أخوته افسدوا جملة أنيقة “ولدت وحيدًا”. تتابعوا في قدومهم عام تلو الآخر حتى ظن أنه لن يكون وحيدًا أبدًا. حين يغمض عينه لا يرى ظلامًا، إنهم يضيئون له العتمة، يراهم مبتسمين، ويلوحون طالبين منه شيئًا لا يدري ماهو، لكنه رغم ذلك يبتسم.

يفكر من جديد بجملة صادقة لا تحتمل التأويل. عن سيرته التي لم يخطو فيها الكثير. وإنما كان يقفز عشر خطوات دفعة واحدة، بينما سار الآخرين بشكل طبيعي. كان الأفضل والأسرع والأذكى لكنه كما يؤمن في أعماقه قليل الحظ. إن سقط نيزك من السماء فهو لن يسقط إلا فوق حديقته التي كان يذرعها طوال اليوم، أو فوق أيّ شيء ثمين يمتلكه وليس فوق رأسه فهو قليل الحظ وليس معدوم الحظ. لذلك يعيش بفرص قليلة وخيبات تفوق تصوراته. ويدري أن سيرته لن ترى، لأنها لم تكتب.

هاء بين الهواء والهاوية

،

كُتب بارتفاع ١٩٤٥ متر عن سطح البحر:

اكتب هذه الكلمات في طريقي هبوطًا نحو الأسفل. ولأكون أكثر دقة إني أهوي نحو القاع. كما أعلم في وقت سابق عدم امتلاكي مظلة هبوط ولا جناح ولا حتى ريشة. ولا اعرف إن كنت سأسمع صوت ارتطامي فور وصولي، أم أن رحمة ستنتزعني في اللحظة الأخيرة!

في طريقي نحو الهاوية يضرب الهواء وجهي ويستمر بصفعي وتذكيري مرددًا حرف هاء غير منقطع أنه سيتركني. لن يكون هناك عندما انتهي. وكل الصفعات والزئير مجرد رفقة طريق ولا علاقة له بخط النهاية.

علمت متأخرة أننا جميعًا نصل للنهاية وحيدين. مهما كانت عدد الأيدي التي دفعتنا. لا يمكن القول أن أحدًا سوانا سبب السقوط. ولا يمكن استخدام  عذر الظروف التي جعلتنا نقف على جرف وحين سهونا زلّت أقدامنا رغم الحذر. كنت أقيس المسافة بالمسطرة وقررت تعلم الطيران لولا أن السقوط أسرع. أليست الطيور تسقط أيضًا عندما تموت وعندما تخترقها رصاصة؟

اكتب هذه الكلمات لعلّها تخفف من صوت الهواء، ووخز الضمير، وجاذبية السطح، وألم الوصول. لكن الكلمات كاللكمات تزيد من الهلع، تجعلك واضحًا أكثر من اللازم، ومجرمًا بالأدلة، أيّ دليل أقوى من اعتراف مكتوب في اللحظات الأخيرة؟ عليّ جمع كفيّ معًا وأدعو الله، فالدعوات ريش الخائف الذي يحمله بعيدًا نحو الأمان. الدعوات تجعل الكوارث هلامية وأقلّ وجعًا.

.

ابتهالٌ خائف:

هبني يارب قوة الاختيار الصحيح حتى وإن كان بعيدًا. هبني قوة القفز إلى الخير والتمسك به. وارزقني قوة الابتعاد عن الخطأ، وعدم الخوض فيه أو تجربته، باعد بيني وبين الذنب كما باعدت بين المشرق والمغرب.

هبني يارب رضاك ورحمتك وجنتك.

.

كتب بعمق شبر واحد تحت سطح البحر:

يارب أريد أن أطير.

يوميات رمضان

 

،

هذه التدوينة تشبه فاتورة المحل التي تمتد وتنثي مرة بعد مرة، سلعة بعد سلعة، يومًا بعد يوم، حتى ينقضي الشهر أو افقد رغبة الكتابة.

 

اليوم الـ ٢٩ والأخير:

سيكون الأخير، وإن زاد الشهر يومًا إضافيًا لن اكتب. ساذهب في رحلة نحو النوم المقلوب، وسأخرج من فقاعة الراحة في موعد لرؤية الآخرين السنوية. اشعر أن الأعياد الماضية وكأنها مساء البارحة، الاختلاف الأبرز هو اختفاء البعض وظهور مخلوقات جديدة، أو عودة بعض المسافرين بين جدران المنازل المُختلفة.

افكر ماذا يقال في اليوم الأخير؟ بل ماذا سيقرأ القادم – قد يكون القادم أنت أو أنا بعد حين-  ماذا سيقرأ بعد مرور وقت على كل ماكتب في الأسفل؟ سلسلة من أفكار لم تكن وليدة اللحظة، وإنما كتبت مرة بعد أخرى. يشبه حلم لا يذكر منه الحالم إلا أنه استيقظ ونسي الأحداث كلها عدا مشهد واحد وجملة واحدة وشعورًا واحدًا. فلماذا هذه الآلاف من الكلمات محتشدة كجمهور صاخب لا تفهم منه ماذا يريد؟

ماذا أريد؟ ولماذا كنت اكتب كل ليلة؟ هل كنت انتظر ثناء؟ حصلت على ذلك حتى من قبل أن توجد المدونة. هل فكرت في زيارة مستمرة؟ حصلت على ذلك بشكل يومي أيضًا، بمعدل زيارة عشرة إلى عشرين شخص يوميًا! تخيل أن يقف عشرة أشخاص أمام أسطرك كل ليلة، حتى وإن لم تُفهم، هناك من يقرأ، هناك من يبحث عن كلام اكتبه، لكني لا أدري لماذا اكتبه!

تقبل الله منكم صالح الأعمال، وغفر لكم ماتقدم وما تأخر.

.

اليوم الـ ٢٨:

أواجه معضلة حقيقية في وصف ما أشعر به وما أراه وما أفكر به. أفضل البقاء صامتًا على محاولة الحديث أو حتى وصف ما لايمكن وصفه. لذلك بدأت ابحث عن نفسي بين الآخرين في حديثهم وقصصهم. 

وجدتهم يحملون شعورًا أعمق. إنهم غارقين تمامًا في حياتهم. قصصهم كالجبل الجليدي مايظهر فوق السطح وإن كان كثيرًا في نظري إلا أنهم يحملون أضعافه في العمق.

أنقذهم يارب فهم غارقون لكنهم لا يصرخون  بصوت مرتفع، ولا يطلبون النجدة من آخرين مثلهم، أنت وحدك الحق الذي يستجيب مهما كان الدعاء صامتًا ومبعثرًا.

.

اليوم الـ ٢٧

وجدته يصنع عقدًا وخاتمًا وتاجًا مرصعًا بـ كلمة “لو”. يقف طويلًا أمام كنز لا يمكن حمله، وقلعة لا يمكن هدمها، ومجد لا يمكن زحزحته، يحيط تلك القوة بـ كلمة “لو”.

لو أن له من الأمر شيء لعاش تفاصيل مُختلفة لكنه لا يفعل. يعيش في قلب عالم افتراضي، اسمه الأحلام، ومرة أخرى أمنيات، ومرات أكثر ينقل أفكاره بين ليت ولو وربما ولعل، وحين تقرصه شمس اليوم الجديد يدري أنه لايمكن أن يكون غير الذي كان.

.

اليوم الـ ٢٦

اليوم ست وعشرون ساعة؟ متى انتهى؟ ومتى بدأ؟ رغم أني لم افعل أيّ شيء من مهامي المُعتادة. قمت بمهمة مُختلفة، كنت أركض داخل رأسي محاولًا تذكر مايجب عليّ تذكره.

والآن بعد أن نفضت الدقائق المُتبقية تذكرت أني لم افكر فيما سأكتب اليوم، ولم اقرأ أيّ صفحة، ولم اتصفح قائمتي الصوتية لهذا اليوم، نحن في أيّ يوم؟ السبت؟ هل انتهى الشهر؟ هل عاد المسافرون من رحلتهم أم أنهم مازالوا في ركض مستمر! 

والذين تدثروا بصمتهم حين توقفت الحكايا عن صنع نفسها، ولم يعرفوا أيّ دعاء  يُقال أكثر من “اعف عنا يارب”.

.

اليوم الـ ٢٥

كم نشبه الشجر، حين يجفّ عودنا يسهل كسرنا.

.

اليوم الـ ٢٤

بالأمس وحتى هذه اللحظة وربما في الغد أيضًا، أشعر بأني غيمة تسبح في اللامكان. غيمة لا تحمل ثقلًا يجبرها على الانهمار لذلك تستمر في العبور إلى اللاشيء. مجرد غيمة خفيفة لا تحمل شيء ولا تسير في أيّ درب.

هل أنا تائه يارب؟

.

اليوم الـ ٢٣

قالت أن هناك رباط وثيق بين الجهل والتفاؤل. يفترض أن تكون عاقدًا حاجبيك مهتم ومغتم، لأنك تعلم أن حكايتك مستمرة وليست مثل قصص النهايات السعيدة، مستمر ولم تصل بعد إلى نهايتك.

وأنك تريد الكثير وليس من بينه القليل الذي بين يديك، وأن السماء بزرقتها لاتدري إن كنت ترفع رأسك نحوها أم تشيح بنظرك لأن الضوء يزعجك، ولأن ظلامها يبعث فيك الحيرة.

واستمرت قائلة دون أن تعبأ بتفاصيل جملتها الأولى إن كنت تعرف فعليك أن تستمر بجهلك، فأنت تبتسم منذ أن عرفتك، حتى ظننت أنك لاتملك شفاه لتطبقها فوق أسنانك. هل أنت مجرد جمجمة تحلل منها جلدها؟ أم أن ما أراه أمامي هو أشعة سينية لجمجمة بانتظار تشخيص طبي، لاشتباه وجود جسم غريب، قيّل أنه رصاصة، لكنه رغم معرفته مازال متفائل!

.

اليوم الـ ٢٢

“كل شيء زائل”، عبارة تقال عندما ترى الأشياء مبتعدة ولم يعد بإمكانك التقاطها أو حتى تذكر مكانها عندما كانت بالقرب منك.

.

اليوم الـ ٢١

ترى بُقعة من الماء على سطح ما، وتظن أنها ليست عميقة، لست مُتأكد من ذلك، لكنك تتمنى أنها ليست بذلك العمق. ومع المراقبة المستمرة تظل بركة الماء راقدة في مكانها، لم تجففها الشمس، ولم يتغير لونها، صفحة ماء تعكس السماء، ولشدة الانعكاس تفكر هل الأرض مثقوبة وأنت ترى الجانب المقابل من السماء؟

تقف فوقها حشرة دون أن تغرق. فتسأل نفسك لماذا لم تغرق؟ هل يحمي السطح الصغار مثلها من الغرق؟ لذلك تجند القطرات نفسها للامساك باقدامها بكل قوتها. لكنك إن فعلت وحاولت الوقوف ستغرق.

سطحك الصلب هو اليابسة، وليس بركة عمقها شبر.

.

اليوم الـ ٢٠

العيش من الآخرين يجعلك آخر مثلهم. آخر تجهل الطريقة المثلى لفعل كل الأشياء بشكل صحيح دفعة واحدة. آخر لا تدري لماذا تمل الأشياء التي كنت ترغب في الحصول عليها لحظة تواجدها بين يديك. 

آخر لاتدري كيف مضى الوقت وأنت تكرر نفس الأخطاء منتظرًا نتيجة مختلفة، آخر لا تشبه الاخرين، كما لا يمكن تمييزك بينهم، فلا تصل إليك أخبارهم إلا بعد أن تكون ماضي منسي بالنسبة لهم.

أنا آخر من يعلم، وفي مرات أكثر لم أكن أعلم ولم أرغب بذلك.

.

اليوم الـ ١٩

الخطان المتوازيان لا يتقاطعان في الظروف الطبيعية، يمكن لخط مرسوم بالعرض أن يربطهما معًا كجسر للوصول. وإن كثرت الخطوط العرضية تحول الخطان إلى سلّم يتسلقه الجميع. وإن انعدمت الخطوط اصبح الاثنان منفصلان، مجرد حبال تتدلى من الأعلى، وربما فكرت في عقدة تصنعها بنفسها مادام الانحناء ليس من شيم الاستقامة.

.

اليوم الـ ١٨

(أ)

تقطع الأشياء من المنتصف، تأكل حبات العنب بعدد فردي، تقفز خطوط الأرض حتى لا تسقط في الحمم المُتخيلة.

.

(ب)

تدعو للجميع بالشفاء وقضاء الدين والجنة.

.

(ج)

لا تستطيع سماع صوتها في التسجيل، ولا تستطيع التحديق طويلًا أمام انعكاسها في المرايا أو ظلالها الساقط على الجدران أو الأرض، تخشى أن يتحرك ظلالها ويخبرها عن رغبته بالخلاص منها.

.

(د)

تلك الرغبة في صنع شخصية غريبة الأطوار لا تتجاوز العشر أسطر، وتعود شخصية طبيعية، طبيعية للحد الذي لا يمكن أن تلفت الانتباه فتعود لقطع الأشياء من المنتصف وتأكل حبات العنب بعدد فردي، وتقفز الأرض لكنها تمشي فوق الخط سهوًا فتحترق!

.

اليوم الـ ١٧

(أ)

يهمس الصغير في أذني، أنه حصل على درجة متدنية في مادة الرياضيات، وعن خوفه من والدته، ثم اكتشافهم للخطأ الذي وقعت فيه معلمته وأنه كان يستحق العلامة الكاملة، عندما انتهى من حديثه استدرك قائلًا: “والدتي طلبت مني أن لا اخبر أحد”.

.

(ب)

تقول الصغيرة بعد سيل من المعلومات الكثيرة، لا استطيع اخبارك بالمزيد فاختي الكبرى تقول علينا الاحتفاظ بما يحدث في البيت، فأنتِ لا تخبرينا بشيء تستمعين فقط.

.

(ج)

في طريق العودة إلى المنزل، بعد تقديمي لطلب عدم تجديد العمل للعام القادم،  تتصل بي إحداهن قائلة بما يشبه الهمس: “إنهم يقولون أنكِ مُتطلبة وتعتقدين أنكِ أفضل من الجميع، ويقولون أيضًا أنه من السهل استبدالك”. ولأن الصمت لا يمكنه أنه ينتقل عبر الهاتف، رددت اسمي لتتأكد من تواجدي على الطرف الآخر، واكملت: “اخبرك بذلك كأخت تتمنى لك الخير، لا تخبري أحدًا أني قلت لك ذلك”.

.

(د)

كل الأخبار الصغيرة التي يُهمس بها، أمور عادية، واتمنى أن لا أعرفها حتى لا يثقلني حملها طوال الوقت، أرغب أن أكون مُسدلة اليدين للأبد، لا أريد حمل أيّ شيء فوق عاتقي، من المريح أن أكون “لا أحد”، ليس من المهم أن اعرف كم ملعقة ملح توضع في كل طبق.

لا وجود للأسرار، كل مافي الأمر شعور مؤقت بالأهمية، عندما تتحدث عنه في وقت لاحق تتعجب من الحذر المُبالغ، لكنك لا تلومهم، فأنت على أيّ حال ليس لديك مايُقال .

.

اليوم الـ ١٦

كيف تُصحح الأخطاء؟ كيف تعالج مشكلة تعلم أن حلّها في أعماقك؟ كأن تتلمس شيء سقط في الظلام.

 تأتي الاختيارت ضمن نطاق ما اعتدت عليه بالمقام الأول، ثم ما تألفه النفس ولا ضرر من خطأ هنا وخطأ هناك، مادام الضرر محصور ويمكن السيطرة عليه، كملعقة سكر إضافية في كوب شاي أو يوم كسول بلا رياضة أو التلصص على صفحات الآخرين وتفضيلاتهم في صفحاتهم الشخصية.

ماذا لو كان الخطأ إيذاء نفسك، أن تجلدها طوال الوقت لأنك تعلم أن بإمكانها فعل الأفضل، يمكنها تجنب التفاهه، وأن توقف النظر في أطباق الآخرين وأقدارهم.

كومة من تأنيب الضمير، لايمكن تفكيكها ولا ترتيبها ولا حتى التفاوض معها، ولا يمكن دفنها ولا حرقها ولا حتى التصالح معها، تدق الباب طوال الوقت مرددة: هذا خطأ، خطأ، خطأ. وعندما تصمت قليلًا تعود لتقول: إنه ناقص، ناقص، ناقص.

تسألني: مالذي ابحث عنه؟

– عن حلّ سقط ولا أدري كيف يمكن الامساك به.

تتلمس الأرض بيدك تمسك دبوس ترفعه متسائل

– هذا؟

فأجيب بيأس:

– لا هذا هو الخطأ، الحلّ أصغر من ذلك حجمًا، وأصعب من أن تمسكه.

تبتسم ساخرًا:

– لا يوجد في الأسفل سوى الغبار.

فاجيب ولا اجيب:

– وكيف استطيع مسك ذراته وترتيبها بطريقة توقف وخز الدبوس!

.

اليوم الـ ١٥

اكتشفت لماذا تبدو الفكرة أكثر وضوح في عقلي بينما تبهت تمامًا عندما اكتبها أو انطقها. إنها ناقصة في الأصل وليست قابلة للعرض، إنها قطع صغيرة من الأفكار غير المنظمة لكني اقبلها وأراها جيدة ومناسبة مادامت في طور التكوين، هي كاملة رغم نقصها، وجيدة رغم عدم وضوحها لأنه لا يتطلب منها أن تكون كذلك.

عندما تخرج من عقلي يفترض أن تسير على قدميها جيدًا دون أن تتكئ على فهم الآخرين، دون جمل لاحقة مبررة تحاول أن تسند الفكرة التي تفقد وعيها لأنها اكتشفت أنها ماتزال صغيرة على الخروج وحدها، وكان من الأولى أن تختار البقاء للأبد في العتمة عوضًا عن الضبابية التي خرجت بها، والنسيان الذي سيكون أفضل ما يمكن أن يحدث لها، فربما سيء فهمها وحوكمت بسبب قلة إدراكها وخطورة ماظهرت به أمام الآخرين.

عقلك ينتج الكثير من بذور الأفكار، لكنه لا يزرعها كلها، وإن فعل فإنه لا يسقيها جميعًا بنفس الاهتمام، لذلك تصفر وتذبل فور تخليك عنها.

.

اليوم الـ ١٤

ماذا تفعل اللقمة الواحدة أمام الملايين من الأفواه الجائعة؟

.

اليوم الـ ١٣

الكتابة هي الوجه الآخر من التفكير والكلام. ولك الخيار في أن تشارك الآخرين أو أن تحتفظ بنصوصك. وربما تنسى أنك امتلك يومًا فكرة كتلك. حتى تسمعها على لسان أحدهم يومًا ما، أو تجدها في سطر كتاب فتبتسم حين ترى نسيانك تم توثيقه في مكان آخر، مكان أكثر وضوح.

أريد أن اكتب ولكن اشعر بأعين تتساقط على الكلمات قبل أن اكتبها، هل عليّ ازاحتها؟ أم تركها ليبدو وكأن النص مرّ برقابة دقيقة، هذا النص تم تمشيط سطوره بعناية، وأزيلت كل علامات الترقيم المهمة! سيعرض أمامكم طوال الوقت كنموذج لطعام تم تحضيره مُسبقًا: لاطعم لذيذ، ولا مفاجأة تنتظرك عند انهاء الطبق، مجرد شعور بالشبع والرغبة بالتوقف حالًا عن القراءة.

.

اليوم الـ ١٢:

اشعر بالاستياء من لا شيء، لا يمكن وصف حجم غضبي من هذا اللاشيء الذي يحدث، وأود لو هشّمت كل خلايا اللاشيء ثم أحرقته ووزعت رماده فوق سطح الأرض حتى يخفّ حنقي.

رغم هدوء الطقس، واعتدال الجو، واختفاء الجوع، وانتهائي من الأعمال الصغيرة المُعلقة، كـ الرد على الرسائل بشكل فوري، وإنهاء المُكالمات التي عليّ القيام بها من الساعة ١٢ حتى الرابعة بشكل يومي، إلّا أن هذا اللا شيء المحلّق فوق رأسي كطنين نحلة أو بعوضة، يتبعه شعور باللسع الموجع الذي لا أثر له، يجعلني أرغب في الهرب من نفسي مؤقتًا وليس النوم أو الموت حلًا لذلك، فالاثنان أشياء، وعلي فعل لا شيء للتخلص من اللاشيء.

كم يبدو محيرًا أن تملك شعورًا لا مُبرر له، والأعجب من ذلك أن تحاول وصفه لكنك لا تستطيع!

.

اليوم الـ ١١:

ماذا لو لم اتعلم أي لغة؟ كيف كنت سأفكر؟ وكيف سيمضي الوقت بي، أيّ مركب سيحملني عندما أحاول البحث عن إجابة لأيّ سؤال.

.

اليوم العاشر:

نعيش مانستحق، رغم الظنون التي تهمس في صدورنا بوجود المزيد الذي سيودع في رصيدنا قريبًا من الأقدار الجميلة المُختلفة، إنها فقط تتعثر في طريقها لذلك تتأخر، لطالما امتلكنا ساعة للأمل تدور سريعًا عند كل أمنية جديدة.

نعيش مانستحق، رغم حملنا لأوعية أكبر من أحجامنا نجمع فيها مانريد، ذلك الذي لم يصل بعد، على يقين بأن ما سيأتي سيكون كثيرًا مُبهرًا ولن تكفيه أيّ أوعية وربما استعرنا أوعية المنتظرين مثلنا، وسنعيرهم أوعيتنا بالتأكيد إن حان وقتهم.

نعيش مانستحق من الأفكار والأجساد والمصير، وقد يمضي عمر أحدهم وقد أمسك الوعاء من فرط فرحه بالمقلوب في الوقت الذي انهمرت به السماء بالحظوظ، ليكشتف أنه لم يتمكن من جمع شيء وحين قلبه اكتشف أنه مثقوب، وقبل أن يغرق بخيبته وجد الآخرين غارقين وهو الناجي الوحيد.

.

اليوم التاسع:

بعد فيضان الأمس تناثرت الكلمات وتبعثرت في الأرجاء، وَصَلَت إليّ أشياء ليست لي، رغم أنها لي. سمعت من الفقاعات على السطح نوايا شخص آخر عن مُفاجأة حضرها لي، وقرأت في تموجات الماء التي تحدث بعد سقوط الحجر والكلمات أن أحد أصدقائي أخذ مني كل أفكاري عندما كنت مشغولًا بتنظيم أفكاره.

الفيضان جعل الأصوات والكلمات تفقد طريقها، تذهب إلى من فُكِرَ فيه، وإلى من كُتبت عنه، وهذا بنظري كارثة نفسية، ذلك يعني أن أفكاري عن الآخرين المزعجين وصلت إليهم ولا يمكن تبرير ذلك، هل عليّ الاعتذار، أم علي التظاهر بأن شيئًا لم يحدث؟ أم اسبقهم واغرس سيف الملامة بين أعينهم؟

كل ذلك زال تمامًا حينما رأيت قاربًا ورقيًا يصيح قبطانه بأني راحل هذا المساء، وأن عليّ جمع كل ما استطيع من الأشياء التي ليست لي لكنها لي، لأحملها معي وابني بها أسوار عالمي الآخر الجديد. المؤسف لم يصلني سوى مفاجأة واحدة وأفكار مسروقة، يا إلهي كم كنت بعيدًا عن الجميع، لم يفكر أحدًا بي، ولم يكتب أحد عني جملًا كثيرة، لا يمكنني بناء أيّ شيء سوى خطين متوازين ليمر منه قطار ربما قفزت على ظهره باحثًا عن آخرين لفيضان قادم .

.

اليوم الثامن مرة أخرى:

لو كنت سمكة لما ابحرت بعيدًا عن الشاطئ، سانتظر سنارة واتشبث بها لأعود إلى السطح. لو كنت سمكة لن اسبح عكس التيار، ولن اختبئ خلف الشُعب المرجانية ولا شقوق الصخور، لن أكون وجبة الأسماك الأكبر، ولن اشرب من الماء المالح، ولن اعيش في بحيرة عذبة ولن اسقط من أعلى الشلال ولن انجرف مع تيار النهر.

لو كنت سمكة سأعيش في حوض زجاجي صغير وسأحاول القفز حين يحين موعد تنظيفه، وأحلم بالسير على الأرض حتى وإن لم يكن لدي حذاء للجري.

.

اليوم الثامن:

لم اخبر أحدًا بهذا من قبل، ولا أدري كيف اكتبه لك الآن، لكني بحاجة إلى مد يد العون لذلك اكتب لك.

منذ وقت طويل وأنا آكل البشر لقمة واحدة ولا أجد صعوبة في ذلك، ابتلعهم كحبة الدواء، اتركهم يذوبون داخلي تمامًا دون عناء المضغ، دون أن ألوكهم كعشب بين أسناني، كنت اختارهم بشكل عشوائي: في الأماكن العامة، أو في الطرقات المزدحمة. لطالما أحببت طعم المنتظرين المتكدسين للحصول على رغيف خبز أو تذكرة عبور لبلد آخر. والنكهة اللاذعة لاشخاص ينتظرون هدفًا في الوقت بدل الضائع لفريقهم الضعيف. 

رغم ذلك لم أفكر يومًا بابتلاع شخص يسير وحده، يكفي لهذا الوحيد أن يبتلعه صمته. لكني اليوم فعلتها وابتلعتك وأنا آسف جدًا لذلك. طعمك مرّ ولم يعجبني أبدًا ولا أدري أيّ المياه أشرب لتغرق فيها، كل جرعة ماء يزداد العلقم فيّ، أرجوك حاول التحدث مع الآخرين شاركهم أيّ شيء، قل لهم أنك تجد الأنس بضجيجهم وأنك تود لو أنهم لا يتوقفون عن الحركة. أو تحرك قليلًا نحو اليمين فأنت تقف فوق مرارتي والتي اخبرني الطبيب قبل قليل أنه سينتظر نوبة ألم جديدة حتى يقرر إزالة مرارتي بالكامل.

أرجوك لا أريد أن يشق الطبيب جلدي فيخرج الآخرين من ثقوب جرحي، تحرك قليلًا إلى أيّ مكان وأعدك أن لا ابتلع أحدًا مثلك مرة أخرى.

.

اليوم السابع:

أنا شخص ضخم وهذا يجعل كل من حولي صغار جدًا وبعيدين عن مستوى رؤيتي للأمور. أنا مثلهم في كل شيء إلا حجمي وهذا السبب كفيل بأن يجعلني بعيد. لا يمكن الانصات لهم، لا استطيع تبين ملامحهم، ولا مشاركتهم الفتات الذي يسمونه طعامًا.

.

وقع أقدامي يزلزل الأرض، شهيقي يغير من ترتيب المكان وأما الزفير فهو بعثرة لا يمكن اصلاحها، لذلك يمكنك تخيل ماذا سيحدث لو سعلت أو ضحكت! 

.

أنا شخص ضخم ولا أدري كيف أني طوال الوقت انظر نحو الأسفل، اليوم فقط رفعت رأسي للأعلى فوجدت رأس ضخم يحملق فيّ، إنه عملاق وأبدو له صغيرًا جدًا رغم أني اشبهه في كل الأشياء الا الحجم.

هذا ما يحدث تمامًا وانت تقرأ، هناك شخص يروي قصة داخل القصة.

أنت العملاق وأنا الضخم والأحرف هم الصغار.

.

اليوم السادس:

انهيت رصيد كلماتي هذا اليوم، للحد الذي لا استطيع اكمال هذه الجمـ….

.

اليوم الخامس مرة أخرى:

يتصفح خطوط الطيران باحثًا عن وجهة لمكان بعيد، يُقّلب الكرة الأرضية في ذاكرته، يتساءل أين يذهب؟ لا تعجبه أيّ وجهه، لا شيء يعجبه، يسمع صوت درويش في رأسه، “أنْزِلْني هنا . أنا مثلهم لا شيء يعجبني ‘ ولكني تعبتُ من السِّفَرْ“*.

.

يغلق صفحة خطوط الطيران، مفكرًا كيف يهرب من هنا، من نفسه، من أفكاره، من ماضيه، ومن تلّ الأعمال التي لا تتوقف عن التضاعف والتراكم، روحه عالقة به، لا يستطيع التصالح معها، لا يستطيع النظر إليها في المرايا ولا حتى رؤية انعكاس ظله على الأشياء، يجر نفسه بعيدًا عن نفسه ويختلط بالآخرين، ويسأل هل هم عالقين مثله؟ هل هم مثله لا شيء يعجبهم! وملّوا من السفر؟ أم أنه الوحيد العالق الذي لا يستطيع الطيران، وهم يحلقون طوال الوقت بأجنحة لا ترى، شاهد ريشة عالقة بثوب السيدة هناك وحينما اخبرها قالت ضاحكة يبدو أنه من الوسادة، فهي لا تنام إلا على ريش نعام، ولكن النعام لا يطير! يسألها برجاء: اخبريني هل يمكنك التحليق بي بعيدًا من هنا؟ فتجيبه مُتعجبة: يا بني كيف لطائر مثلك أن يستعير جناح الآخرين؟ 

.

اليوم الخامس:

ماذا تتمنى؟ لا شيء، ليس زهدًا وإنما لا أرى بين يديّ أحدهم عصا سحرية، وإن كانت عصاه الدعاء، يمكنه طلب الخير للجميع، فالغيمة التي تمطر بعد الابتهال تهطل فوق الرؤوس سواء.

.

ماذا تتمنى؟ الأشياء التي لا تطال لبعدها أو استحالة الوصول إليها كالنجوم والأحشاء لا يمكن تمنيها، إنها أمور مستحيلة. أن تمسك النجم في يدك يعني احتراقك، وأن تمسك أحشاء أحدهم إن لم تكن طبيبًا لتعالجه، فأنت تحمل بين يديك لحم أحدهم إن لم يكن حيوان تأكله، فهذا انتحارك أو جثة هبطت من مكان ما إليك، صدقني الفكرة مُرعبة.

.

ماذا تتمنى؟  لا شيء، لدي الكثير المُتزايد، ويمر الوقت وأنا أودع ما يتناقص. لماذا لا تدعو بثبات المتناقص أو زيادته؟ وكيف ادعو أن يقف العمر؟ أو أن يتكدس الأحباء في المعموره! وأن يظل المريض معلقًا في الحياة لأني لا أريده أن يموت؟

لا استطيع أن اتمنى، ربما تمنيت يومًا، أن يكون لدي أمنية لا تتحقق، كإجابة على سؤال في مقابلة شخصية: ماذا تتمنى؟ ما حلمك؟

 أمنيتي أن يكون لدي لدي أمنية لا تتحقق. وحصلت عليها، الأمنية التي لا أدري كيف يمكن تمنيها. فهل حصلت عليها؟ ماذا عنك أنت؟ ماذا تتمنى؟ هل يمكن أن تُعطي أمنيتك شخص آخر؟ أو تقتسمها مع آخرين؟

.

اليوم الرابع مرة أخرى:

لو كان لي صديق من الملائكة، لطلبت منه أن يخبرني عن الطاعة المُطلقة التي يعيشها، وعن النور الذي خُلق منه، عن حياته وطريقتهم في اختيار اسم كل ملاك منهم، عن أبعاد كونهم وحدودهم، عن اللغة التي يستخدمونها، هل يكتبون وبأي حبر وكيف تبدو أوراقهم؟ 

هل لديهم أمنيات، اتهرم الملائكة؟ هل تعيش طفولة وتودعها، أم أنها خُلقت بطريقة مُختلفة لا يمكن استيعابها؟ هل يمكن أن نشاهد ملاك في الدنيا؟ لو كان لي صديق من الملائكة هل سيفزعني ذلك؟ 

.

اليوم الرابع:

كيف يختلف قياس الزمن كل مرة؟ استيقظت التاسعة صباح اليوم وبدت تلك الساعة وكأنها يوم كامل. يشبه دوران شريط حياة شخص ما، دار سريعًا من ميلاده حتى آخر لحظة قبل أن يغمض عينيه ويموت.

.

الذي ماتوا يُمكن اختصار حياتهم بجملة، أو صفحة، وربما كلمة. الأحياء وحدهم يصنعون في ذاكرتهم جمل لا تنتهي خلال ساعات اليوم، حتى وإن لم تُسمع أو تكتب وعندما يموتون في الساعة التاسعة صباحًا تُلفّ كل أفكارهم وتطوى معهم في النسيان.

.

مضى وقت طويل وأنا في هذه الفقاعة، فقاعة الساعة التاسعة حيث يمتد الوقت لأيام دون أن اشعر بالسأم أو محاولة تجاوزه، هذه اللحظة وإن طالت تظل جيدة ويمكن تأملها لوقت أكثر مما يحتمله شخص على عجلة من أمره.

.

الوسادة المريحة، والكتاب الذي لم انهي ثلثه الأول بعد، وشريط يتكرر حتى اغمض عيني للموت الوحيد. ساستيقظ في الأبدية مرددة: “ربِّ أقم الساعة”* فوعدك حق، وبين خوفي ورجائي علقت كل وقتي بين يدي رحمتك، فمن سواك ادعو وأرجو.

.

هناك شعور يمكنه أن يملأ أحشاء البشر المستيقظين في أيّ ساعة من اليوم، مهما حاولوا تعبئته سيظل هناك فراغات تردد كالجحيم “هل من مزيد”، حتى ذنوبك الصغيرة تتقافز بين الثقوب تخبرك أن المساحة تسمح بالمزيد من ذعرك ورجاءك وخوفك وأمنياتك أو سخطك من فكرة لا يمكن أن تكون منطقية، كأن يحدث كل ذلك في الساعة التاسعة صباحًا.

.

اليوم الثالث ..

تختبئ الشمس اليوم خلف طبقات من الغيوم والغبار، لكنها تمكنت من نشر الضوء واستمر النهار في حضوره وتوقيته. لا أظن أن الشمس من مكانها البعيد يهمها كثيرًا أن عددًا من خيوطها تسلل إلى غرفتي، وأني اكتفيت بتلك الحزمة رفيقة لي حتى آخر النهار.

.

 الشمس ليست كلها بضيافتي وإنما مجموعة من ذراتها التي آنست طريقها إلى هنا كل يوم، حتى قبل أن يكون هذا البيت، وقبل أن تكون هذه المدينة، وقبل أن يكون كل شيء، دفء الشمس سيبقى حتى وإن تغيرت كل الأشياء.

.

دعاء اليوم..

ارزقني نعمة الشكر، نعمة المعرفة، هبني معرفة الطريق حتى لا اتوه، دلّني درب الخير لـ اتبعه. اعلم أن هذه ورقة وليست السماء، عليّ رفع يدي وسؤالك هبة الوصول، هبة الطريق إليك، ورضاك، ورحمتك، ونورك، “اسألك” أن تغفر لي، اغفر لي، اغفر لي جهلي وقلّة صبري وبساطة عملي.

.

ماذا قرأت اليوم؟

  • أولاد حارتنا .. لـ نجيب محفوظ.

حرق: بعد طرد ادريس وأدهم وزوجته من القصر بكيت وكأني طردت معهم من الدفء والراحة. شعور السير في الطرقات بحثًا عن جدار يأوي، ووالد يسامح ابنه عندما يخطئ، شعور يشبه أن تنام جائعًا بعد أن اعددت الطعام لكن لم يُسمح لك بتذوقه.

  • تقاسيم الليل والنهار من سلسلة مدن الملح.. لـ المنيف.

حرق: تتشارك القصة الاجتماعية مع رواية نجيب أعلاه. فالحياة داخل القصر وتعدد الغرف والأشخاص والأعمار ووجود قوّة متفردة تُقصي الآخرين أو تبعدهم خارج الأسوار، أو بناء غرف خاصة تبعد المتنافرين عن بعضهم حتى يسود الهدوء.

.

ماذا سمعت؟

  • تقول  إيملي باستن:

 لكل الأرواح الضائعة الهائمة حول الأرض

أنتم سبب شقائكم

امنحوا حيواتكم فرصة أخرى

ميلادًا جديدًا

وإلا ستصبحون من لم ترغبوه يومًا.

النص صوتيًا على ساوندكلاود.

  • كما سمعت صوت التكييف لساعات، وسمعت إمام المسجد يقول بين كلام كثير قبل الصلاة: “أن صلاة المرأة في بيتها خير لها”.
  • سمعت صوت نبضي الخائف يبدأ من معدتي، ثم تصاعد إلى حنجرتي وانتهى الأمر بدمعة من عين واحدة بينما العين الأخرى قررت أن لا تدمع. لا يمكن الانصات لصوت دمعة واحدة لكن خوفي جعلني اسمعها تقول: “اسألك يارب أن تعلّمني فأنا لا أعلم، اخشاك كثيرًا كثيرًا ولا أدري مالذي عليّ فعله”.

.

اليوم الثاني من رمضان..

الأفعال الصحيحة بيضاء، الأفعال الخاطئة سوداء. فلماذا يُحلّق اللون الرمادي حول كل أفعالي؟ لا أراها نقية تمامًا، أود لو أغسلها، ابحث عن طريقة تجعلها ناصعة، متمنية أن أضع يدي أمام عيني لاخفف من وهجها، لكن ذلك لا يحدث. البياض الذي لدي يشوبه بعض العتمة.

.

هل حديثي هذا أبيض؟ أم لا لون له؟ هل يمكن أن أراه في وقت لاحق بلون أسود؟ هذه الأفكار التي لا تحمل معنى أو قيمة أهي سوداء؟

ماذا عن قيامتي الصغيرة التي أنصبها قبل النوم والتي تجلدني حتى أنام هل تكفي لتنير صباحي في اليوم التالي؟ ماذا لو لم أفعل أيّ شيء، أن أكون هذا الكتاب أو تلك النافذة، لا افعل شيء إلا حين تدفعني يد ما على فعل اللون الذي يتم اختياره.

ماذا لو جاء الصباح وكان الرماد هو كل ماتبقى لي؟

.

١ رمضان ..

التوقف عن الطعام، الشعور بالجوع، عدد المرات التي نسيت وشربت فيها الماء، عدد المرات التي مُدت فيها سفرة الطعام، وتحلّق حولها أشخاص اعرفهم، ولم أعد اعرف الآن أيّ سفرة تطويها أيديهم، تيقنت بعد حين أنهم بعيدين.

.

كما أن الناس المغمورين داخلي، يبحثون عن فرصة للكلام، لكني لا أجد ما أقول لهم، ولا استطيع سماع صوت حديثهم. عليّ صنع حديث لا اعرفه لـ اتفاعل معهم. هل علي اخمادهم؟ قبل أن يخرجوا جميعًا كقنبلة؟ أم علي الانصات وتأمل محاولاتهم والتي تبدو دائمًا كالغرق في الهدوء. هل اكتفي بحثّهم على المواصلة؟ ربما رغبت بالحديث في وقت لاحق، لكن لا أجيد ذلك الآن، وحتى ذلك الوقت ارجوكم أيها الناس الذين يغرقون فيّ “هشش“.

.

ماذا سمعت اليوم؟

.

ماذا قرأت اليوم؟

  • ذاكره غراب لهيفاء القحطاني.. من الاشخاص اللي تابعتهم من وقت طويل ولا اعرف متى كانت البداية، لكن الشعور اللي تتركه أفكارها المكتوبه في مدونتها يتحول إلى شعور لذيذ بداخلي في كل مرة اقرأ طريقتها في التعامل من الحياة والمهام المطلوبة.
  • 50 صفحة من أولاد حارتنا لـ نجيب محفوظ. 
  • 30 صفحة من تقاسيم الليل والنهار من سلسلة مدن الملح.

آمين لدعاء الآخرين

(١)

أحاول أن أحصي الكلام حولي كلمة كلمة، ألتقط بين أصابعي أحرفهم ورجاؤهم ثم أجمعها في أوعية زجاجية غير قابلة للكسر ولا الخدش. أُغلقها جيدًا وأفكر كم عدد الذين رددوا ذلك القول؟ وعدد الذين أمّنوا لذلك؟

.

(٢)

 آمين خاتمة القول، والنقطة التي يقفل فيها القلب آخر امنياته. أولئك الذين يدعون وأعينهم مُغلقة يجمعون أحلامهم بين أيديهم وحينما ينتهي الدعاء يمسحون باطن الكف ببقايا الكلام، يجففون دمعهم بملابسهم، يمسكون أضلاعهم يتحسسون النبض قائلين: آمين.

.

(٣)

صفوف الصلاة البعيدة مُرتبة مُنظمة، أما الصف حولي أكثر عشوائية، لستُ انظر للجانب الآخر “الأكثر إخضرارًا*” وإنما فراغات كثيرة بيننا. أطفال بمختلف الأعمار يجعلون صفوفنا كأسنانهم التي لم تكتمل. أنظر نحو الأرض إلى موضع السجود، السجاد أخضر والدنيا حولي مُلونة وصوت الناس مجتمعين يقطع فكرة الألوان حولي: “آميـــــــــن” وكأنّ بإمكان هذه الآمين أن ترفع أطنان الدعوات، متحولة لريشة ترتفع نحو الأعلى ويتلاشى صوتهم. أين تذهب أصواتنا عندما تخرج؟ أين تجتمع؟ هل تلتقي مع جُملنا الأخرى؟ أم أنها تبحث عن دعوات الآخرين المُشابهه؟ وكيف لي أن أعرف؟ ولماذا أسال؟  ولماذا اكتب ذلك؟ هذه الأفكار تشبه الفراغات في صفّ الصلاة لا يُدري متى ستكتمل. متى اكتملت الصفوف الأمامية؟ وكيف احصل على فكرة مُستقيمة لا تعاني من أيّ ميلان أو فراغ؟

.

(٤)

-السلام عليكم ورحمه الله

وقوفًا ننظر جميعًا نحو اليمين، اتصفح الوجوه سريعًا، كلنا هنا، وكلنا لا نعرف بعضنا ولن نرى بعض مرة أخرى، وإن حدث ذلك فلن نتذكر ذلك. تسألني هامسه: “إنتي دعيتي لنفسك؟”، قلت: “دعيت للأموات فقط”، استطردت: “طب وأنتي؟!”، بدا سؤالها بديهيًا ثم فكرت “الدعاء لهم، عملهم توقف الآن، انتقلوا لرحلة اللا عمل، والدعاء هو احتياجهم المتبقي الذي يربطهم بنا”. افقت من تفكيري قائلة: “آمين لكل الدعوات”. ونهضت باحثة عن ماء لاشرب.

.

(٥)

وأخيرًا نخرج عائدين، نسير مع موج البشر، اصنع قصصًا بشكل عشوائي للمارين حولنا، ولا أحاول التأكد من صحة القصة، إنها منطقية، ولا بأس إن اختلفت عن واقعهم، بالتأكيد هي واقع أشخاص آخرين.

.

.

البحث عن مخرج

 

،

– تكون الفكرة ضخمة، حتى تجد طريقها إلى لساني فتخبو وتتلاشى وتصغر حتى تكون لا شيء، وعندما اطبق فمي، تعود فتنمو بشكل اسرع وافتح فمي مجددًا، لكنها تختفي بنفس السرعة التي ظهرت بها.

هل جربت الكتابة؟ عوضًا عن الكلام؟

– حاولت ولكن الأمر أصبح أكثر تعقيدًا، عندما افتح فمي يختفي صوتي، بينما في الكتابة، تظهر الجملة مبتورة، قطعة من شيء لا تدري ماهو! وإن كانت جملة مكتملة فالتفسير يفسد معناها، والتأويل يكسرها إلى آلاف القطع، وإن سُئلت عن المعنى وجدتني لا ادري ما أقول، إني أعود لنقطة الصفر دائمًا، وهي أني لا استطيع مشاركة أيّ فكرة لا صوتًا ولا كتابة.

.

وهل العودة مُزعجة؟ أم محاولتك التي لا تؤدي بك إلى وجهه؟

– معرفتي هي مايُزعجني، ليتني لا أعرف أني لا أعرف. ليتني استطيع أن أعرف الذي لا أعرف.

.

هل يُسعدك أن هناك من يعيش هذا الشعور؟ شعور عدم القدرة على التعبير عن ذاتهم، وتبرير جملهم في محادثات مُتفرقة دون افسادها بالشرح الذي يجعل المعنى بعيدًا عن ماتريد؟

– أين هم؟ ثم إن بقينا سويًا، أيّ قارب سيحملنا؟ سيكون مخروقًا ونغرق معًا، لأن أيّ منا لا يستطيع أن يخبرنا بما يحدث على وجه التحديد، ولا يمكن للكتابة المبتورة أن تنقذ الموقف، هل يمكنك القدوم معنا؟

.

مالذي استطيع فعله؟

– أن تكون المتحدث الرسمي؟ وتُكمل الجمل الناقصة، وتُفصّل في الهوامش ما لا نستطيع وصفه وتوضيحه؟

.

لا يمكنني الموافقة، ولا حتى الرفض.

– لماذا؟

–  أنا فكرتك الضخمة التي لا تستطيع الخروج لأني لا أرغب بذلك.