يوميات رمضان

 

،

هذه التدوينة تشبه فاتورة المحل التي تمتد وتنثي مرة بعد مرة، سلعة بعد سلعة، يومًا بعد يوم، حتى ينقضي الشهر أو افقد رغبة الكتابة.

 

اليوم الـ ١٨

(أ)

تقطع الأشياء من المنتصف، تأكل حبات العنب بعدد فردي، تقفز خطوط الأرض حتى لا تسقط في الحمم المُتخيلة.

.

(ب)

تدعو للجميع بالشفاء وقضاء الدين والجنة.

.

(ج)

لا تستطيع سماع صوتها في التسجيل، ولا تستطيع التحديق طويلًا أمام انعكاسها في المرايا أو ظلالها الساقط على الجدران أو الأرض، تخشى أن يتحرك ظلالها ويخبرها عن رغبته بالخلاص منها.

.

(د)

تلك الرغبة في صنع شخصية غريبة الأطوار لا تتجاوز العشر أسطر، وتعود شخصية طبيعية، طبيعية للحد الذي لا يمكن أن تلفت الانتباه فتعود لقطع الأشياء من المنتصف وتأكل حبات العنب بعدد فردي، وتقفز الأرض لكنها تمشي فوق الخط سهوًا فتحترق!

.

اليوم الـ ١٧

(أ)

يهمس الصغير في أذني، أنه حصل على درجة متدنية في مادة الرياضيات، وعن خوفه من والدته، ثم اكتشافهم للخطأ الذي وقعت فيه معلمته وأنه كان يستحق العلامة الكاملة، عندما انتهى من حديثه استدرك قائلًا: “والدتي طلبت مني أن لا اخبر أحد”.

.

(ب)

تقول الصغيرة بعد سيل من المعلومات الكثيرة، لا استطيع اخبارك بالمزيد فاختي الكبرى تقول علينا الاحتفاظ بما يحدث في البيت، فأنتِ لا تخبرينا بشيء تستمعين فقط.

.

(ج)

في طريق العودة إلى المنزل، بعد تقديمي لطلب عدم تجديد العمل للعام القادم،  تتصل بي إحداهن قائلة بما يشبه الهمس: “إنهم يقولون أنكِ مُتطلبة وتعتقدين أنكِ أفضل من الجميع، ويقولون أيضًا أنه من السهل استبدالك”. ولأن الصمت لا يمكنه أنه ينتقل عبر الهاتف، رددت اسمي لتتأكد من تواجدي على الطرف الآخر، واكملت: “اخبرك بذلك كأخت تتمنى لك الخير، لا تخبري أحدًا أني قلت لك ذلك”.

.

(د)

كل الأخبار الصغيرة التي يُهمس بها، أمور عادية، واتمنى أن لا أعرفها حتى لا يثقلني حملها طوال الوقت، أرغب أن أكون مُسدلة اليدين للأبد، لا أريد حمل أيّ شيء فوق عاتقي، من المريح أن أكون “لا أحد”، ليس من المهم أن اعرف كم ملعقة ملح توضع في كل طبق.

لا وجود للأسرار، كل مافي الأمر شعور مؤقت بالأهمية، عندما تتحدث عنه في وقت لاحق تتعجب من الحذر المُبالغ، لكنك لا تلومهم، فأنت على أيّ حال ليس لديك مايُقال .

.

اليوم الـ ١٦

كيف تُصحح الأخطاء؟ كيف تعالج مشكلة تعلم أن حلّها في أعماقك؟ كأن تتلمس شيء سقط في الظلام.

 تأتي الاختيارت ضمن نطاق ما اعتدت عليه بالمقام الأول، ثم ما تألفه النفس ولا ضرر من خطأ هنا وخطأ هناك، مادام الضرر محصور ويمكن السيطرة عليه، كملعقة سكر إضافية في كوب شاي أو يوم كسول بلا رياضة أو التلصص على صفحات الآخرين وتفضيلاتهم في صفحاتهم الشخصية.

ماذا لو كان الخطأ إيذاء نفسك، أن تجلدها طوال الوقت لأنك تعلم أن بإمكانها فعل الأفضل، يمكنها تجنب التفاهه، وأن توقف النظر في أطباق الآخرين وأقدارهم.

كومة من تأنيب الضمير، لايمكن تفكيكها ولا ترتيبها ولا حتى التفاوض معها، ولا يمكن دفنها ولا حرقها ولا حتى التصالح معها، تدق الباب طوال الوقت مرددة: هذا خطأ، خطأ، خطأ. وعندما تصمت قليلًا تعود لتقول: إنه ناقص، ناقص، ناقص.

تسألني: مالذي ابحث عنه؟

– عن حلّ سقط ولا أدري كيف يمكن الامساك به.

تتلمس الأرض بيدك تمسك دبوس ترفعه متسائل

– هذا؟

فأجيب بيأس:

– لا هذا هو الخطأ، الحلّ أصغر من ذلك حجمًا، وأصعب من أن تمسكه.

تبتسم ساخرًا:

– لا يوجد في الأسفل سوى الغبار.

فاجيب ولا اجيب:

– وكيف استطيع مسك ذراته وترتيبها بطريقة توقف وخز الدبوس!

.

اليوم الـ ١٥

اكتشفت لماذا تبدو الفكرة أكثر وضوح في عقلي بينما تبهت تمامًا عندما اكتبها أو انطقها. إنها ناقصة في الأصل وليست قابلة للعرض، إنها قطع صغيرة من الأفكار غير المنظمة لكني اقبلها وأراها جيدة ومناسبة مادامت في طور التكوين، هي كاملة رغم نقصها، وجيدة رغم عدم وضوحها لأنه لا يتطلب منها أن تكون كذلك.

عندما تخرج من عقلي يفترض أن تسير على قدميها جيدًا دون أن تتكئ على فهم الآخرين، دون جمل لاحقة مبررة تحاول أن تسند الفكرة التي تفقد وعيها لأنها اكتشفت أنها ماتزال صغيرة على الخروج وحدها، وكان من الأولى أن تختار البقاء للأبد في العتمة عوضًا عن الضبابية التي خرجت بها، والنسيان الذي سيكون أفضل ما يمكن أن يحدث لها، فربما سيء فهمها وحوكمت بسبب قلة إدراكها وخطورة ماظهرت به أمام الآخرين.

عقلك ينتج الكثير من بذور الأفكار، لكنه لا يزرعها كلها، وإن فعل فإنه لا يسقيها جميعًا بنفس الاهتمام، لذلك تصفر وتذبل فور تخليك عنها.

.

اليوم الـ ١٤

ماذا تفعل اللقمة الواحدة أمام الملايين من الأفواه الجائعة؟

.

اليوم الـ ١٣

الكتابة هي الوجه الآخر من التفكير والكلام. ولك الخيار في أن تشارك الآخرين أو أن تحتفظ بنصوصك. وربما تنسى أنك امتلك يومًا فكرة كتلك. حتى تسمعها على لسان أحدهم يومًا ما، أو تجدها في سطر كتاب فتبتسم حين ترى نسيانك تم توثيقه في مكان آخر، مكان أكثر وضوح.

أريد أن اكتب ولكن اشعر بأعين تتساقط على الكلمات قبل أن اكتبها، هل عليّ ازاحتها؟ أم تركها ليبدو وكأن النص مرّ برقابة دقيقة، هذا النص تم تمشيط سطوره بعناية، وأزيلت كل علامات الترقيم المهمة! سيعرض أمامكم طوال الوقت كنموذج لطعام تم تحضيره مُسبقًا: لاطعم لذيذ، ولا مفاجأة تنتظرك عند انهاء الطبق، مجرد شعور بالشبع والرغبة بالتوقف حالًا عن القراءة.

.

اليوم الـ ١٢:

اشعر بالاستياء من لا شيء، لا يمكن وصف حجم غضبي من هذا اللاشيء الذي يحدث، وأود لو هشّمت كل خلايا اللاشيء ثم أحرقته ووزعت رماده فوق سطح الأرض حتى يخفّ حنقي.

رغم هدوء الطقس، واعتدال الجو، واختفاء الجوع، وانتهائي من الأعمال الصغيرة المُعلقة، كـ الرد على الرسائل بشكل فوري، وإنهاء المُكالمات التي عليّ القيام بها من الساعة ١٢ حتى الرابعة بشكل يومي، إلّا أن هذا اللا شيء المحلّق فوق رأسي كطنين نحلة أو بعوضة، يتبعه شعور باللسع الموجع الذي لا أثر له، يجعلني أرغب في الهرب من نفسي مؤقتًا وليس النوم أو الموت حلًا لذلك، فالاثنان أشياء، وعلي فعل لا شيء للتخلص من اللاشيء.

كم يبدو محيرًا أن تملك شعورًا لا مُبرر له، والأعجب من ذلك أن تحاول وصفه لكنك لا تستطيع!

.

اليوم الـ ١١:

ماذا لو لم اتعلم أي لغة؟ كيف كنت سأفكر؟ وكيف سيمضي الوقت بي، أيّ مركب سيحملني عندما أحاول البحث عن إجابة لأيّ سؤال.

.

اليوم العاشر:

نعيش مانستحق، رغم الظنون التي تهمس في صدورنا بوجود المزيد الذي سيودع في رصيدنا قريبًا من الأقدار الجميلة المُختلفة، إنها فقط تتعثر في طريقها لذلك تتأخر، لطالما امتلكنا ساعة للأمل تدور سريعًا عند كل أمنية جديدة.

نعيش مانستحق، رغم حملنا لأوعية أكبر من أحجامنا نجمع فيها مانريد، ذلك الذي لم يصل بعد، على يقين بأن ما سيأتي سيكون كثيرًا مُبهرًا ولن تكفيه أيّ أوعية وربما استعرنا أوعية المنتظرين مثلنا، وسنعيرهم أوعيتنا بالتأكيد إن حان وقتهم.

نعيش مانستحق من الأفكار والأجساد والمصير، وقد يمضي عمر أحدهم وقد أمسك الوعاء من فرط فرحه بالمقلوب في الوقت الذي انهمرت به السماء بالحظوظ، ليكشتف أنه لم يتمكن من جمع شيء وحين قلبه اكتشف أنه مثقوب، وقبل أن يغرق بخيبته وجد الآخرين غارقين وهو الناجي الوحيد.

.

اليوم التاسع:

بعد فيضان الأمس تناثرت الكلمات وتبعثرت في الأرجاء، وَصَلَت إليّ أشياء ليست لي، رغم أنها لي. سمعت من الفقاعات على السطح نوايا شخص آخر عن مُفاجأة حضرها لي، وقرأت في تموجات الماء التي تحدث بعد سقوط الحجر والكلمات أن أحد أصدقائي أخذ مني كل أفكاري عندما كنت مشغولًا بتنظيم أفكاره.

الفيضان جعل الأصوات والكلمات تفقد طريقها، تذهب إلى من فُكِرَ فيه، وإلى من كُتبت عنه، وهذا بنظري كارثة نفسية، ذلك يعني أن أفكاري عن الآخرين المزعجين وصلت إليهم ولا يمكن تبرير ذلك، هل عليّ الاعتذار، أم علي التظاهر بأن شيئًا لم يحدث؟ أم اسبقهم واغرس سيف الملامة بين أعينهم؟

كل ذلك زال تمامًا حينما رأيت قاربًا ورقيًا يصيح قبطانه بأني راحل هذا المساء، وأن عليّ جمع كل ما استطيع من الأشياء التي ليست لي لكنها لي، لأحملها معي وابني بها أسوار عالمي الآخر الجديد. المؤسف لم يصلني سوى مفاجأة واحدة وأفكار مسروقة، يا إلهي كم كنت بعيدًا عن الجميع، لم يفكر أحدًا بي، ولم يكتب أحد عني جملًا كثيرة، لا يمكنني بناء أيّ شيء سوى خطين متوازين ليمر منه قطار ربما قفزت على ظهره باحثًا عن آخرين لفيضان قادم .

.

اليوم الثامن مرة أخرى:

لو كنت سمكة لما ابحرت بعيدًا عن الشاطئ، سانتظر سنارة واتشبث بها لأعود إلى السطح. لو كنت سمكة لن اسبح عكس التيار، ولن اختبئ خلف الشُعب المرجانية ولا شقوق الصخور، لن أكون وجبة الأسماك الأكبر، ولن اشرب من الماء المالح، ولن اعيش في بحيرة عذبة ولن اسقط من أعلى الشلال ولن انجرف مع تيار النهر.

لو كنت سمكة سأعيش في حوض زجاجي صغير وسأحاول القفز حين يحين موعد تنظيفه، وأحلم بالسير على الأرض حتى وإن لم يكن لدي حذاء للجري.

.

اليوم الثامن:

لم اخبر أحدًا بهذا من قبل، ولا أدري كيف اكتبه لك الآن، لكني بحاجة إلى مد يد العون لذلك اكتب لك.

منذ وقت طويل وأنا آكل البشر لقمة واحدة ولا أجد صعوبة في ذلك، ابتلعهم كحبة الدواء، اتركهم يذوبون داخلي تمامًا دون عناء المضغ، دون أن ألوكهم كعشب بين أسناني، كنت اختارهم بشكل عشوائي: في الأماكن العامة، أو في الطرقات المزدحمة. لطالما أحببت طعم المنتظرين المتكدسين للحصول على رغيف خبز أو تذكرة عبور لبلد آخر. والنكهة اللاذعة لاشخاص ينتظرون هدفًا في الوقت بدل الضائع لفريقهم الضعيف. 

رغم ذلك لم أفكر يومًا بابتلاع شخص يسير وحده، يكفي لهذا الوحيد أن يبتلعه صمته. لكني اليوم فعلتها وابتلعتك وأنا آسف جدًا لذلك. طعمك مرّ ولم يعجبني أبدًا ولا أدري أيّ المياه أشرب لتغرق فيها، كل جرعة ماء يزداد العلقم فيّ، أرجوك حاول التحدث مع الآخرين شاركهم أيّ شيء، قل لهم أنك تجد الأنس بضجيجهم وأنك تود لو أنهم لا يتوقفون عن الحركة. أو تحرك قليلًا نحو اليمين فأنت تقف فوق مرارتي والتي اخبرني الطبيب قبل قليل أنه سينتظر نوبة ألم جديدة حتى يقرر إزالة مرارتي بالكامل.

أرجوك لا أريد أن يشق الطبيب جلدي فيخرج الآخرين من ثقوب جرحي، تحرك قليلًا إلى أيّ مكان وأعدك أن لا ابتلع أحدًا مثلك مرة أخرى.

.

اليوم السابع:

أنا شخص ضخم وهذا يجعل كل من حولي صغار جدًا وبعيدين عن مستوى رؤيتي للأمور. أنا مثلهم في كل شيء إلا حجمي وهذا السبب كفيل بأن يجعلني بعيد. لا يمكن الانصات لهم، لا استطيع تبين ملامحهم، ولا مشاركتهم الفتات الذي يسمونه طعامًا.

.

وقع أقدامي يزلزل الأرض، شهيقي يغير من ترتيب المكان وأما الزفير فهو بعثرة لا يمكن اصلاحها، لذلك يمكنك تخيل ماذا سيحدث لو سعلت أو ضحكت! 

.

أنا شخص ضخم ولا أدري كيف أني طوال الوقت انظر نحو الأسفل، اليوم فقط رفعت رأسي للأعلى فوجدت رأس ضخم يحملق فيّ، إنه عملاق وأبدو له صغيرًا جدًا رغم أني اشبهه في كل الأشياء الا الحجم.

هذا ما يحدث تمامًا وانت تقرأ، هناك شخص يروي قصة داخل القصة.

أنت العملاق وأنا الضخم والأحرف هم الصغار.

.

اليوم السادس:

انهيت رصيد كلماتي هذا اليوم، للحد الذي لا استطيع اكمال هذه الجمـ….

.

اليوم الخامس مرة أخرى:

يتصفح خطوط الطيران باحثًا عن وجهة لمكان بعيد، يُقّلب الكرة الأرضية في ذاكرته، يتساءل أين يذهب؟ لا تعجبه أيّ وجهه، لا شيء يعجبه، يسمع صوت درويش في رأسه، “أنْزِلْني هنا . أنا مثلهم لا شيء يعجبني ‘ ولكني تعبتُ من السِّفَرْ“*.

.

يغلق صفحة خطوط الطيران، مفكرًا كيف يهرب من هنا، من نفسه، من أفكاره، من ماضيه، ومن تلّ الأعمال التي لا تتوقف عن التضاعف والتراكم، روحه عالقة به، لا يستطيع التصالح معها، لا يستطيع النظر إليها في المرايا ولا حتى رؤية انعكاس ظله على الأشياء، يجر نفسه بعيدًا عن نفسه ويختلط بالآخرين، ويسأل هل هم عالقين مثله؟ هل هم مثله لا شيء يعجبهم! وملّوا من السفر؟ أم أنه الوحيد العالق الذي لا يستطيع الطيران، وهم يحلقون طوال الوقت بأجنحة لا ترى، شاهد ريشة عالقة بثوب السيدة هناك وحينما اخبرها قالت ضاحكة يبدو أنه من الوسادة، فهي لا تنام إلا على ريش نعام، ولكن النعام لا يطير! يسألها برجاء: اخبريني هل يمكنك التحليق بي بعيدًا من هنا؟ فتجيبه مُتعجبة: يا بني كيف لطائر مثلك أن يستعير جناح الآخرين؟ 

.

اليوم الخامس:

ماذا تتمنى؟ لا شيء، ليس زهدًا وإنما لا أرى بين يديّ أحدهم عصا سحرية، وإن كانت عصاه الدعاء، يمكنه طلب الخير للجميع، فالغيمة التي تمطر بعد الابتهال تهطل فوق الرؤوس سواء.

.

ماذا تتمنى؟ الأشياء التي لا تطال لبعدها أو استحالة الوصول إليها كالنجوم والأحشاء لا يمكن تمنيها، إنها أمور مستحيلة. أن تمسك النجم في يدك يعني احتراقك، وأن تمسك أحشاء أحدهم إن لم تكن طبيبًا لتعالجه، فأنت تحمل بين يديك لحم أحدهم إن لم يكن حيوان تأكله، فهذا انتحارك أو جثة هبطت من مكان ما إليك، صدقني الفكرة مُرعبة.

.

ماذا تتمنى؟  لا شيء، لدي الكثير المُتزايد، ويمر الوقت وأنا أودع ما يتناقص. لماذا لا تدعو بثبات المتناقص أو زيادته؟ وكيف ادعو أن يقف العمر؟ أو أن يتكدس الأحباء في المعموره! وأن يظل المريض معلقًا في الحياة لأني لا أريده أن يموت؟

لا استطيع أن اتمنى، ربما تمنيت يومًا، أن يكون لدي أمنية لا تتحقق، كإجابة على سؤال في مقابلة شخصية: ماذا تتمنى؟ ما حلمك؟

 أمنيتي أن يكون لدي لدي أمنية لا تتحقق. وحصلت عليها، الأمنية التي لا أدري كيف يمكن تمنيها. فهل حصلت عليها؟ ماذا عنك أنت؟ ماذا تتمنى؟ هل يمكن أن تُعطي أمنيتك شخص آخر؟ أو تقتسمها مع آخرين؟

.

اليوم الرابع مرة أخرى:

لو كان لي صديق من الملائكة، لطلبت منه أن يخبرني عن الطاعة المُطلقة التي يعيشها، وعن النور الذي خُلق منه، عن حياته وطريقتهم في اختيار اسم كل ملاك منهم، عن أبعاد كونهم وحدودهم، عن اللغة التي يستخدمونها، هل يكتبون وبأي حبر وكيف تبدو أوراقهم؟ 

هل لديهم أمنيات، اتهرم الملائكة؟ هل تعيش طفولة وتودعها، أم أنها خُلقت بطريقة مُختلفة لا يمكن استيعابها؟ هل يمكن أن نشاهد ملاك في الدنيا؟ لو كان لي صديق من الملائكة هل سيفزعني ذلك؟ 

.

اليوم الرابع:

كيف يختلف قياس الزمن كل مرة؟ استيقظت التاسعة صباح اليوم وبدت تلك الساعة وكأنها يوم كامل. يشبه دوران شريط حياة شخص ما، دار سريعًا من ميلاده حتى آخر لحظة قبل أن يغمض عينيه ويموت.

.

الذي ماتوا يُمكن اختصار حياتهم بجملة، أو صفحة، وربما كلمة. الأحياء وحدهم يصنعون في ذاكرتهم جمل لا تنتهي خلال ساعات اليوم، حتى وإن لم تُسمع أو تكتب وعندما يموتون في الساعة التاسعة صباحًا تُلفّ كل أفكارهم وتطوى معهم في النسيان.

.

مضى وقت طويل وأنا في هذه الفقاعة، فقاعة الساعة التاسعة حيث يمتد الوقت لأيام دون أن اشعر بالسأم أو محاولة تجاوزه، هذه اللحظة وإن طالت تظل جيدة ويمكن تأملها لوقت أكثر مما يحتمله شخص على عجلة من أمره.

.

الوسادة المريحة، والكتاب الذي لم انهي ثلثه الأول بعد، وشريط يتكرر حتى اغمض عيني للموت الوحيد. ساستيقظ في الأبدية مرددة: “ربِّ أقم الساعة”* فوعدك حق، وبين خوفي ورجائي علقت كل وقتي بين يدي رحمتك، فمن سواك ادعو وأرجو.

.

هناك شعور يمكنه أن يملأ أحشاء البشر المستيقظين في أيّ ساعة من اليوم، مهما حاولوا تعبئته سيظل هناك فراغات تردد كالجحيم “هل من مزيد”، حتى ذنوبك الصغيرة تتقافز بين الثقوب تخبرك أن المساحة تسمح بالمزيد من ذعرك ورجاءك وخوفك وأمنياتك أو سخطك من فكرة لا يمكن أن تكون منطقية، كأن يحدث كل ذلك في الساعة التاسعة صباحًا.

.

اليوم الثالث ..

تختبئ الشمس اليوم خلف طبقات من الغيوم والغبار، لكنها تمكنت من نشر الضوء واستمر النهار في حضوره وتوقيته. لا أظن أن الشمس من مكانها البعيد يهمها كثيرًا أن عددًا من خيوطها تسلل إلى غرفتي، وأني اكتفيت بتلك الحزمة رفيقة لي حتى آخر النهار.

.

 الشمس ليست كلها بضيافتي وإنما مجموعة من ذراتها التي آنست طريقها إلى هنا كل يوم، حتى قبل أن يكون هذا البيت، وقبل أن تكون هذه المدينة، وقبل أن يكون كل شيء، دفء الشمس سيبقى حتى وإن تغيرت كل الأشياء.

.

دعاء اليوم..

ارزقني نعمة الشكر، نعمة المعرفة، هبني معرفة الطريق حتى لا اتوه، دلّني درب الخير لـ اتبعه. اعلم أن هذه ورقة وليست السماء، عليّ رفع يدي وسؤالك هبة الوصول، هبة الطريق إليك، ورضاك، ورحمتك، ونورك، “اسألك” أن تغفر لي، اغفر لي، اغفر لي جهلي وقلّة صبري وبساطة عملي.

.

ماذا قرأت اليوم؟

  • أولاد حارتنا .. لـ نجيب محفوظ.

حرق: بعد طرد ادريس وأدهم وزوجته من القصر بكيت وكأني طردت معهم من الدفء والراحة. شعور السير في الطرقات بحثًا عن جدار يأوي، ووالد يسامح ابنه عندما يخطئ، شعور يشبه أن تنام جائعًا بعد أن اعددت الطعام لكن لم يُسمح لك بتذوقه.

  • تقاسيم الليل والنهار من سلسلة مدن الملح.. لـ المنيف.

حرق: تتشارك القصة الاجتماعية مع رواية نجيب أعلاه. فالحياة داخل القصر وتعدد الغرف والأشخاص والأعمار ووجود قوّة متفردة تُقصي الآخرين أو تبعدهم خارج الأسوار، أو بناء غرف خاصة تبعد المتنافرين عن بعضهم حتى يسود الهدوء.

.

ماذا سمعت؟

  • تقول  إيملي باستن:

 لكل الأرواح الضائعة الهائمة حول الأرض

أنتم سبب شقائكم

امنحوا حيواتكم فرصة أخرى

ميلادًا جديدًا

وإلا ستصبحون من لم ترغبوه يومًا.

النص صوتيًا على ساوندكلاود.

  • كما سمعت صوت التكييف لساعات، وسمعت إمام المسجد يقول بين كلام كثير قبل الصلاة: “أن صلاة المرأة في بيتها خير لها”.
  • سمعت صوت نبضي الخائف يبدأ من معدتي، ثم تصاعد إلى حنجرتي وانتهى الأمر بدمعة من عين واحدة بينما العين الأخرى قررت أن لا تدمع. لا يمكن الانصات لصوت دمعة واحدة لكن خوفي جعلني اسمعها تقول: “اسألك يارب أن تعلّمني فأنا لا أعلم، اخشاك كثيرًا كثيرًا ولا أدري مالذي عليّ فعله”.

.

اليوم الثاني من رمضان..

الأفعال الصحيحة بيضاء، الأفعال الخاطئة سوداء. فلماذا يُحلّق اللون الرمادي حول كل أفعالي؟ لا أراها نقية تمامًا، أود لو أغسلها، ابحث عن طريقة تجعلها ناصعة، متمنية أن أضع يدي أمام عيني لاخفف من وهجها، لكن ذلك لا يحدث. البياض الذي لدي يشوبه بعض العتمة.

.

هل حديثي هذا أبيض؟ أم لا لون له؟ هل يمكن أن أراه في وقت لاحق بلون أسود؟ هذه الأفكار التي لا تحمل معنى أو قيمة أهي سوداء؟

ماذا عن قيامتي الصغيرة التي أنصبها قبل النوم والتي تجلدني حتى أنام هل تكفي لتنير صباحي في اليوم التالي؟ ماذا لو لم أفعل أيّ شيء، أن أكون هذا الكتاب أو تلك النافذة، لا افعل شيء إلا حين تدفعني يد ما على فعل اللون الذي يتم اختياره.

ماذا لو جاء الصباح وكان الرماد هو كل ماتبقى لي؟

.

١ رمضان ..

التوقف عن الطعام، الشعور بالجوع، عدد المرات التي نسيت وشربت فيها الماء، عدد المرات التي مُدت فيها سفرة الطعام، وتحلّق حولها أشخاص اعرفهم، ولم أعد اعرف الآن أيّ سفرة تطويها أيديهم، تيقنت بعد حين أنهم بعيدين.

.

كما أن الناس المغمورين داخلي، يبحثون عن فرصة للكلام، لكني لا أجد ما أقول لهم، ولا استطيع سماع صوت حديثهم. عليّ صنع حديث لا اعرفه لـ اتفاعل معهم. هل علي اخمادهم؟ قبل أن يخرجوا جميعًا كقنبلة؟ أم علي الانصات وتأمل محاولاتهم والتي تبدو دائمًا كالغرق في الهدوء. هل اكتفي بحثّهم على المواصلة؟ ربما رغبت بالحديث في وقت لاحق، لكن لا أجيد ذلك الآن، وحتى ذلك الوقت ارجوكم أيها الناس الذين يغرقون فيّ “هشش“.

.

ماذا سمعت اليوم؟

.

ماذا قرأت اليوم؟

  • ذاكره غراب لهيفاء القحطاني.. من الاشخاص اللي تابعتهم من وقت طويل ولا اعرف متى كانت البداية، لكن الشعور اللي تتركه أفكارها المكتوبه في مدونتها يتحول إلى شعور لذيذ بداخلي في كل مرة اقرأ طريقتها في التعامل من الحياة والمهام المطلوبة.
  • 50 صفحة من أولاد حارتنا لـ نجيب محفوظ. 
  • 30 صفحة من تقاسيم الليل والنهار من سلسلة مدن الملح.
Advertisements

آمين لدعاء الآخرين

(١)

أحاول أن أحصي الكلام حولي كلمة كلمة، ألتقط بين أصابعي أحرفهم ورجاؤهم ثم أجمعها في أوعية زجاجية غير قابلة للكسر ولا الخدش. أُغلقها جيدًا وأفكر كم عدد الذين رددوا ذلك القول؟ وعدد الذين أمّنوا لذلك؟

.

(٢)

 آمين خاتمة القول، والنقطة التي يقفل فيها القلب آخر امنياته. أولئك الذين يدعون وأعينهم مُغلقة يجمعون أحلامهم بين أيديهم وحينما ينتهي الدعاء يمسحون باطن الكف ببقايا الكلام، يجففون دمعهم بملابسهم، يمسكون أضلاعهم يتحسسون النبض قائلين: آمين.

.

(٣)

صفوف الصلاة البعيدة مُرتبة مُنظمة، أما الصف حولي أكثر عشوائية، لستُ انظر للجانب الآخر “الأكثر إخضرارًا*” وإنما فراغات كثيرة بيننا. أطفال بمختلف الأعمار يجعلون صفوفنا كأسنانهم التي لم تكتمل. أنظر نحو الأرض إلى موضع السجود، السجاد أخضر والدنيا حولي مُلونة وصوت الناس مجتمعين يقطع فكرة الألوان حولي: “آميـــــــــن” وكأنّ بإمكان هذه الآمين أن ترفع أطنان الدعوات، متحولة لريشة ترتفع نحو الأعلى ويتلاشى صوتهم. أين تذهب أصواتنا عندما تخرج؟ أين تجتمع؟ هل تلتقي مع جُملنا الأخرى؟ أم أنها تبحث عن دعوات الآخرين المُشابهه؟ وكيف لي أن أعرف؟ ولماذا أسال؟  ولماذا اكتب ذلك؟ هذه الأفكار تشبه الفراغات في صفّ الصلاة لا يُدري متى ستكتمل. متى اكتملت الصفوف الأمامية؟ وكيف احصل على فكرة مُستقيمة لا تعاني من أيّ ميلان أو فراغ؟

.

(٤)

-السلام عليكم ورحمه الله

وقوفًا ننظر جميعًا نحو اليمين، اتصفح الوجوه سريعًا، كلنا هنا، وكلنا لا نعرف بعضنا ولن نرى بعض مرة أخرى، وإن حدث ذلك فلن نتذكر ذلك. تسألني هامسه: “إنتي دعيتي لنفسك؟”، قلت: “دعيت للأموات فقط”، استطردت: “طب وأنتي؟!”، بدا سؤالها بديهيًا ثم فكرت “الدعاء لهم، عملهم توقف الآن، انتقلوا لرحلة اللا عمل، والدعاء هو احتياجهم المتبقي الذي يربطهم بنا”. افقت من تفكيري قائلة: “آمين لكل الدعوات”. ونهضت باحثة عن ماء لاشرب.

.

(٥)

وأخيرًا نخرج عائدين، نسير مع موج البشر، اصنع قصصًا بشكل عشوائي للمارين حولنا، ولا أحاول التأكد من صحة القصة، إنها منطقية، ولا بأس إن اختلفت عن واقعهم، بالتأكيد هي واقع أشخاص آخرين.

.

.

البحث عن مخرج

 

،

– تكون الفكرة ضخمة، حتى تجد طريقها إلى لساني فتخبو وتتلاشى وتصغر حتى تكون لا شيء، وعندما اطبق فمي، تعود فتنمو بشكل اسرع وافتح فمي مجددًا، لكنها تختفي بنفس السرعة التي ظهرت بها.

هل جربت الكتابة؟ عوضًا عن الكلام؟

– حاولت ولكن الأمر أصبح أكثر تعقيدًا، عندما افتح فمي يختفي صوتي، بينما في الكتابة، تظهر الجملة مبتورة، قطعة من شيء لا تدري ماهو! وإن كانت جملة مكتملة فالتفسير يفسد معناها، والتأويل يكسرها إلى آلاف القطع، وإن سُئلت عن المعنى وجدتني لا ادري ما أقول، إني أعود لنقطة الصفر دائمًا، وهي أني لا استطيع مشاركة أيّ فكرة لا صوتًا ولا كتابة.

.

وهل العودة مُزعجة؟ أم محاولتك التي لا تؤدي بك إلى وجهه؟

– معرفتي هي مايُزعجني، ليتني لا أعرف أني لا أعرف. ليتني استطيع أن أعرف الذي لا أعرف.

.

هل يُسعدك أن هناك من يعيش هذا الشعور؟ شعور عدم القدرة على التعبير عن ذاتهم، وتبرير جملهم في محادثات مُتفرقة دون افسادها بالشرح الذي يجعل المعنى بعيدًا عن ماتريد؟

– أين هم؟ ثم إن بقينا سويًا، أيّ قارب سيحملنا؟ سيكون مخروقًا ونغرق معًا، لأن أيّ منا لا يستطيع أن يخبرنا بما يحدث على وجه التحديد، ولا يمكن للكتابة المبتورة أن تنقذ الموقف، هل يمكنك القدوم معنا؟

.

مالذي استطيع فعله؟

– أن تكون المتحدث الرسمي؟ وتُكمل الجمل الناقصة، وتُفصّل في الهوامش ما لا نستطيع وصفه وتوضيحه؟

.

لا يمكنني الموافقة، ولا حتى الرفض.

– لماذا؟

–  أنا فكرتك الضخمة التي لا تستطيع الخروج لأني لا أرغب بذلك.

💌

.

💌 العيش في المسرح:

سؤال: لا استطيع اظهار مشاعري، بل وانكر ذلك على الآخرين، تولّد لدي يقين بأن الجميع يزيفون ويبالغون في اظهار تلك المشاعر، إنهم يمثلون ذلك، أحب أطفالي لكن لا أرغب في إظهار ذلك لهم، هل علي فعل ذلك؟ أعني أن أمثل مشاعري؟

الجواب: كن ممثلًا ومهرجًا وصاخبًا، ستجد الوقت الذي ترتاح فيه حين تخلد لنومك الأبدي.

ملاحظة جانبية: تأكد من تحليل فقر الدم والفيتامينات وتعرضك لأشعة الشمس فجلّ أحزان العالم من عيشهم في الظل بعيدًا عن النور.

…..

💌 فقدت بوصلتي:

سؤال: لا ابحث عن الشمال، ولست أسير فعليًا في أيّ وجهه، لكني في حيرة من هذا الذي لا اعرف كيف أصفه، ولا أدري أين تكون الوجهة الصحيحة لفعل اللاشيء الذي لا يمكن القيام به.

الجواب: عندما تشعر بالضياع توقف، لعل أحدهم يبحث عنك فيجدك، لا تتحرك ولاتركض ولا تقفز بعيدًا، فربما النسخة القديمة منك والتي تعرف خارطتك ستجدك. وحتى ذلك الوقت اضرب بجذورك عمق الأرض وابحث عن نبع في الأعماق فإن لم تجد فاصنع لك نبع من دمعك، الماء المالح سيجعلك أنقى.

…..

💌 التكرار على سبيل التغيير:

سؤال: تشاهدني أحمل دلوًا أحمر، أحاول سكبه على الأرض والجدران، باذلة جهد خارقًا في جعله يبدو طبيعيًا، أو أنه حدث دون عناء، لأنها قالت أني كتبت كلمة أحمر بشكل جيد، ولأحصل على المزيد من الثناء قتلت الكثير لأحصل على هذه الكمية من اللون.

الجواب: لن تستطيع حصد المزيد من الثناء في تكرار الفعل نفسه، هذا ماتفعله الآلات، وأنت لست آلة، عليك صنع شيء مختلف في كل مرة، ولا بأس أن يكون سيئًا، فمن بين عشرات الأفكار ستظل فكرتك الجميلة موجودة لن يختفي جمالها، ستظل فريدة لأنها الوحيدة.

…..

💌 تقول مُخاطبة تلّ الغسيل أمامها:

سؤال: متى نتبادل الأدوار، هل عليّ حملكم طوال الوقت والتأكد من أن أحدكم لم يُخدش وأنه سليم حتى آخر رمق، لنعيد ذلك مُجددًا في الغد؟

حين يحين دوركم عليكم التأكد من أني واحدة لا تنقسم، ولا يغضب أحدكم إن لم يجد ما يشبهني بين القطع الأخرى، لا أريد أن أركن في الرف، لا أريد أن استعمل بشكل يومي، لا أريد أن يكون الماء باردًا جدًا، لا بأس بالماء المغلي لطالما شعرت أني سأخرج منها بجلد جديد ونوايا مُختلفة.

الجواب: تقول ملعقة الخشب أنهم سيستبدلون وجودي بفتيات من البلاستيك، ذات الاستخدام الواحد!

مخلوق من ورق

،

أيها الهارب ستموت

قرر أن يؤلف رواية، لكنه أمضى يومه كله في اقناع بطل قصته أنه سيموت في نهايتها، غضب البطل وترك الصفحة، ذهب إلى كتاب آخر، كتاب لايعرفه المؤلف لذلك ظل يقرأ عشرات الكتب لعله يجد البطل في كتاب ما ويعتذر له، 

ثم يعيده ويقتله.

.

مهجور

لا شيء يلوح في الأفق، السماء فراغة تمامًا من أي توقعات للطقس لا هطول، لا هواء ولا غبار ولا حتى طيور، كل ما يمكنه رؤيته في الأعلى عندما يرفع رأسه هو مساحة شاسعة من لا شيء، لكنه يُمني النفس بمطر أو ذرة هواء، لكن الغلاف يطبق على صدره، لماذا يعيش في هذا المجلد الضخم الذي لا يُقرأ؟

.

محرقة

شعور مزعج، مقيت، وغير مُبهج على الاطلاق، أن تشاهد الفراشة المتجهه نحو الضوء لتحترق، تشاهدها وتعرف أنها منجذبة نحو النهاية. لكنك لا تفهم لغتها، لا تستطيع تحذيرها، والأكثر إزعاجًا أنك الآن تتجه نحو الضوء تظن أنها النجاة المذكورة في آخر النفق لكنك تحترق، رغم أنك لست فراشة! 

وربما مخلوق آخر ينظر نحوك ويتعجب كيف تلقي بنفسك نحو التهلكة؟ بل ويغلق الصفحة ويُقيّم حياتك بـ نجمة واحدة من أصل خمسة، ناصحًا الآخرين بالانتباه من رمادك في خاتمة الرواية!

.

الأبدية

تخيلت أمور كثيرة مريعة ومفزعة، تسارعت نبضات قلبي، ثم تهاوت إلى القاع، يبدو كل شيء أسود وبلا معنى، وما أن رفعت رأسي قليلًا من الوسادة علمت أني أحلم وقبل أن ابتهج أن ذلك حلم وجدتني أحلم أيضًا، وأن الخيال واقع وأن القاع أعمق مما ظننت.

وأني سأظل كذلك في كل مرة يعودون لتصفحي كرواية خالدة.. تعبت من هذا السقوط المُتتابع، ابحثوا عن قصيدة، هناك فتيات يرقصن للأبد.

.

تحت الغلاف

متصالح تمامًا مع كل الأشياء، يصافح العابرين والمارين والراحلين على حد سواء! لحظة وكيف يصافح أحد غير موجود؟ إنه يربت على كتفه بيده الأخرى. إنه حزين ولايستطيع تقبل العالم الذي يمضي، وهو بلا ماض وإنما حاضر لا يتزحزح، مجرد صفحة بيضاء ملتصقة تحت الغلاف.

.

يُتبع

هل تعرف شعور قطعة القماش التي تحاول دعكها بين يديك لتتخلص من بقعة طعام سقطت في منتصف وجبة؟ هذا الشعور الآن يحدث عندما وقعت جملة في صدري أحاول اخراجها بأصابعي لكنها مُلتصقة وعلي تفتيتها أولًا ثم التخلص منها، وهذا شعور يصعب وصفه، كجملة: “يتبع” لرواية فقد مؤلفها رغبة المواصلة.

.

النهاية

اشفق على كل الأشياء، واظنها تبادلني الشعور الرحيم الذي يحاول أن يُعالج أخطاء الآخرين باعتذار يشبه النهايات السعيدة في قصص الأطفال.

نصف استواء

،

إن ألقيت بك في النهر ستغرق قبل أن تصل إلى قاعه، قبل أن يلامس جسدك قطرة ماء، ستموت من الفزع، من أنك لا تجيد السباحة، من أن تنسى كيف تحبس أنفاسك، من هول ارتفاعك بعيدًا عن سطح الأرض، ومن أني أنا الأليفة ألقيت بك بعيدًا لتغرق.

.

ماذا عن الغرق بالتدريج؟ أن اضعك في القاع واملأ المكان بقطرات الماء التي لا تنهمر وإنما تزيد ببطء لا يمكن أن ترصده بعينك، يزداد ويزداد حتى تطفو جثة في آخر المطاف، دون أن تدري منذ متى وأنت تغرق؟ وتنتهي أيامك دون أن تدري.

.

أو أن أغلق منافذة الضوء والهواء عنك، أن لا تدري أين أنت، ظلام خانق وحرارة تذيبك ولا تسمع شيئًا، حتى صوتك لاتدري إن كنت قد فقدته أم أنك لاتستطيع سماعه من هول ماصرخت طالبًا النجدة. 

.

يقطع كل ذلك الهاجس سؤال: “كيف ستعدين اللحم؟”.

فاجيب “نصف استواء“، اشعل النار وارمي بالقطعة الكبيرة متأكدة من صوت ارتطامها البارد على لهيب الصاج، وافتح الثلاجة باحثة عن صلصة حلوة، واظن أن القطع الصغيرة كانت ستُعَجِلْ من أمر استواء الطعام، فالجوع يرضيه لقمة سلقت بماء البحر.

لكننا نأكل دون أن ننتظر الجوع.

.

.

طبق

،

أقف قليلًا قبل البدء بحفلة غسيل الأطباق، ممسكة بالإسفنجة الصفراء، مُحدثة نفسي: كم اشبهك! خفيفة مليئة بالثقوب، استطيع حمل الكثير، في ذات الوقت يمكن التخلص من كل شيء عند أبسط ضغط، أعصرها بين يدي يسقط الماء سريعًا، بينما رغوة الصابون تحاول العودة مُجددًا، اجيبها ساخرة “العودة غير ممكنة” اسكب فوقها ماء جديد ويختفي الجميع وتعود جافة، ومنتظرة حفلة أطباق جديدة .

.

أجفف يدي خارجة من المكان مُفكرة لطالما تسرب مني كل شيء، ذكرياتي، وأعمالي، كلامي وصمتي، وأصدقائي، والكلام الطيب والسيء على حدّ سواء. المهام الكثيرة المنتهية، الأيام الماضية، حتى هذه اللحظة أيضًا تمضى مُسرعة كقطرة الماء الأخيرة عند الانتهاء من عصرها. إنه التعبير اللطيف لـ أنت لاشيء في نهاية كل يوم.

.

أعود من جديد للوقوف وماتزال الصفراء ذات الثقوب مليئة بالرغوة، أحدثها: هل أشبهك؟ تعودين مرارًا وتكرارًا، تحاولين أن يبدو ماحولك نظيف، رغم تنوع ماتمرين به، ثم تعودين إلى العلبة وحدك مُستلقية تنظرين إلى سقف المطبخ، نحو الضوء المُغلق، تميلين بصرك نحو الصحون المرتبة كطابور عسكري، تستيقظين في اليوم التالي من أجل طابور آخر. إنه التعبير اللطيف لـ حكم عليك بأبدية تكرار اللاشيء.

.

في نهاية الكثير من النصوص أحاول تغيير الضمائر لتبدو قابلة للنشر، وبعيدة عن ذات الكاتب، هذه المرة اكتشف أن ذلك غير ممكن! لستُ نسوية، لكن أطباق الطعام مسؤولية مُحددة لا يمكن تغيير الضمير، لذلك نعم اغسل الصحون لكن لستُ صفراء ولا معصورة ولا مثقوبة إنما مجرد عمل روتيني يشبه أن تسأل: ماذا سنأكل اليوم.

.

هذه التدوينة بمناسبة شراء مجموعة ملونة من الاسفنج لا يوجد بينها لون أصفر (:

لم يعد ملكا لأحد

.

سقط عقرب الساعة من عقلي، لم يسقط فقط وإنما اختفى، لايوجد في ساعتي الآن سوى عقرب دقائق وثوان. الجزء الثقيل فيّ اختفى، خفيف أنا الآن، لديّ عمر كأعمار الفراشات وبقية المفصليات ليس من الضرورة تعدادها الآن.

.

عمر قصير هذا كل ماتبقى، بل هذا هو المتوفر منذ البدء لم يكن هناك الكثير من الوقت، ألم تنتبه أن عقرب الساعة كل الأقصر؟ دار حتى تآكل واختفى! أما العقربين في طريقهما للتلاشي.

.

ماذا تريد الآن؟ لاشيء، لا أقولها بصوت حزين أو كئيب. حقًا لا أرغب بشيء. ربما أفكر بالغروب ولكني لستُ شمس، لذلك لا يمكن أن أريد! ألا ترى أنه لا يمكن الحصول على أشياء غير ممكنة؟ هل رأيت شخص يغرب من قبل؟ لا أعنى أنه ذهب باتجاه الغرب، وإنما ينطفئ النور المتوهج منه، كمصباح؟ 

.

كشخص مغمور، حاول أن يتباهى بمديح والدته عندما كان طفلًا ومايزال، شخص لا يعرفه سوى العالقون حوله لسبب جغرافي، الذين يخبرونه أنه أفضل ما حدث لهم، يزهو بلطفهم، ويغلق عينيه في كل مرة يقال له كم أنت مميز ومختلف. 

.

قبل اختفاء الساعة كان الوقت بطيئًا ثقيلًا لا يدري كيف يخبرني أنه لايستطيع أن يكون أسرع ولا أن يكون خفيف العبور كان يدب خطواته فوق قلبي، فوق طيات جفني، يحاول أن يغلق عيني لعل النوم يطول ويحتفي بمروره وحده دون أن اطلب منه أن يسرع، أو يغير طريقته في الدوران.

.

يشبهني في قصر الجمل التي اكتبها، وبطء تحليل المعنى، محاولًا التأكد أن السطر لا يكشف شيئًا، ولا يخفي شيئًا أيضًا، وإنما مجرد شخص يمشي مثل مئات السائرين، يشبههم تمامًا كأيّ انعكاس على سطح الماء، وكأي ظل يلتصق بقدميك عندما يميل الضوء لعله يكشف عمقك.

.

الوقت الذي مرّ لم يعدّ ملك لأحد، هل افلست؟ ومتى يعرف الشخص عدد الدقات المتبقية في رصيده؟ دون أن يصرفها دفعة واحدة في رصاصة طائشة، أو حبل مشنقة!

لا أفكر بالانتحار، ولا أنوي فعل ذلك، لكني ارحب بأي رصاصة.

هبوط

،

قلت وقد تخدرت قدماي من الوقوف طويلًا: اقترب دوري في طوابير الحياة. منذ موت العمّ عصام ثم وفاة أم عبدالله مساء البارحة قفزت فقاعة في رأسي قائلة حان دورنا، وكأن مغادرة الحياة يُشترط فيها الرحيل بالترتيب لا دفعة واحدة، لطالما شعرت أن ضحايا الكوارث الجماعية لا يموتون في نفس الجزء من الثانية وإنما بينهم لحظات متفرقة.

.

قيل لي مارأيك أن نتحدث عن عذاب القبر؟ لكني لم أُجب، فكيف اتحدث عن أمر لن يكون بيدي شيء حين يكون؟ وأن علي أن أفعل قبل أن اصل هناك أو لا افعل بنفس قدر محاولتي للفعل. اعني أن لا أسرق لا اكذب لا أتلون لا أتظاهر لا أتملل لا أتكاسل.

.

في الحج سألتني فتاة وأنا اعبر الطريق الممتد إلى دورات المياه قائلة لي: هل ركبتِ الطائرة يومًا؟ اجبتها: نعم. قالت: كيف تبدو؟ اجبت بلا تفكير أنها تطير وفردت أصابع يدي كطير إلى الأعلى ثم انحنيت لالتقط فرشاة أسناني التي سقطت من لغة الاشارة التي قررت استخدامها ومُفكرة أيضًا في إجابة توضيحية أكثر من أن الطائرة تطير، لكني لم أجد. تابعت قولها أنها لم تركبها وتتمنى أن تفعل ذلك يومًا.

لا ادري لماذا اتذكرها الآن بعد مرور وقت طويل على أمنيتها. هل محاولة التحليق الأولى كانت حلمًا بالانعتاق من جاذبية المكان؟ هل استطاعت التحليق؟ هل وجدت إجابة توضيحية أكثر من يد رُفعت لتُسقط مابها؟ 

.

تسأل بدرية:”هل الكتاب صادقين؟”، أم أنهم يروون القصص ويدسون مشاعرهم وأفكارهم في شخصيات من صنع خيالهم؟ إن جلّ ما أفكر فيه قبل اعتماد أيّ نص بعيدًا عن النص: ١. الأخطاء الإملائية ثم ٢. المجزرة التي ارتكبها في حق النحو. ٣. وأخيرًا: إيمان التي اتركها خلفي بعد كل نص، انسلخ مني وابدأ بجلد جديد بكلمات جديدة، معلنة في نهاية كل ما اكتب هبوطًا اضطراريًا لفكرة غير مفهومة.

مُر ومرفوض

،

الخيال الذي يبنيه العقل في لحظة سأم ويأس. لحظة سُميّت حلم يقظة لايمكن أن يكون مهما كُنت مشرع العينين كـ ذئب. ذلك الشعور بـ اكتمالٍ توهمه المزاج. الشعور الذي يلي  الانتهاء من مشاهدة هدية مغلفة ليست لك، ولن تكون لك.

.

أن تقول في نفسك كل خطأ سيتبعه استغفار، وأن الجميع يُخطئ وسميت في هذا العالم مُحاولة، فتحاول أن تخوض مع الخائضين، وما أن تُبلل قدميك وتفكر فيما سيحدث بعد أن تُغطي الخطيئة أصابعك وكيف ستعود إلى سجادتك، وكم من الوقت تحتاج لـ تجف، وكيف ستعود إلى ذاتك التي ظننتها لن تتغير، لكن أطرافك تظل تذكرك بجرمك، في كل ركوع تحاول النظر إلى موضع السجود فترى أصابعك وتحاول البكاء فلا تستطيع، تغمض عينيك لكنك ترى كل شيء أوضح.

.

تأتي النصوص وتذكرك بما تهرب منه، بما توهم نفسك أنه الصواب، وأنه جزء من طبيعة ما يمكنه أن يحدث، فتتوقف عن ذلك، وتسأل نفسك، هل يستحق الأمر كل ذلك؟ لا تخشى الناس وحسب، تخشى نفسك التي لا تعرفها ولا تدري كيف يمكن أن تقدمها إن التقيتها بعد ابتعاد اختياري. كم هو مفزع أن لا تكون الشخص الجيد الذي تمنيت أن تكون.

.

كومة الشخص الذي ترى انعكاسه أمام الأسطح وتشيح ببصرك عنه محاولًا تجاهله، فتراه ملتصقًا بـ أقدامك كظل في ضوء النهار، وتسمعه يقرع الطبول في ضجة العالم، تفزع عندما تنتهي بطارية هاتفك أو تختفي إشارة اللاسلكي بين يديك، لا تريد البقاء مع نفسك التي تهرب منها، عوضًا من الاعتراف أنك لاتطيق نفسك، التي لا تراها جيدة بما يكفي لتقبلها، الملتصقة والمزعجة والخائرة القوى، ترى أنك نسخة أفضل ولكن ظروف لا تدريها جعلت منك نسخة مختلفة وتحاول بيعها لكن لا أحد يشتري الأرواح بل لا يمكن قبولك كهدية!