سرقة في وضح النها”ية”

،

سأكون لص. لم أحدد بعد ماذا سأسرق. جلست أرضًا وفردت الاحتمالات المُتاحة كـ الأشياء والأشخاص. وأسهل السرقات كانت سرقة الأفكار! هل أسرقها جميعًا ودفعة واحدة؟ أم أجرب نوعًا في كل مرة، مُكتشفًا صعوبات كل نوع؟ لأستقر على اختيار واحد ثم أتخصص به.

على قصاصات ورق صغيرة كتبت المسروقات التي سأجربها. ثم جمعتها في علبة زجاجية، وبدأت بسحب الأوراق ورقة ورقة في أسابيع متتالية. كانت ورقة الأسبوع الأول: “اسرق الوقت

احترت في الطريقة المُناسبة لسرقة الوقت؟ هل يكفي أن أمضي وقتي في اللافائدة؟ في النوم، في تقليب الهاتف، أو مشاهدة الأفلام والمسلسلات بلا انقطاع إلا للبحث عن حلقة جديدة؟ أم عليّ أن أكون محترفًا وأبتعد أكثر لسرقة وقتي ووقت الآخرين؟ أحدثهم بلا مناسبة لساعات طويلة، اكتب مقالات طويلة لا فائدة منها سوى سرقة وقتهم؟ -كما أفعل معكم الآن-

كان أسبوع سرقة الوقت ممتدًا لا نهائيًا. ولأني سرقت أوقاتًا كثيرة، مرّ الأسبوع وكأنه مئة عام، طويلًا لا ترى له نهاية، بطيئًا لا يمكنك الشعور بتحركه ولا حتى صوت عقاربه التي تقول: تك تك عندما يحل الهدوء. قررت في داخلي أني لن أسرق الوقت وإن استطعت أن أُهدي وقتي للآخرين لفعلت.

دسست يدي على عجل قبل نهاية الأسبوع بيوم في علبتي الزجاجية. أنا من وضع القانون ويمكن تجاوزه. ثم أني لص ويجوز لـ اللص ما لا يجوز لغيره، كتب على الورقة “اسرق شخص“.

هل اسرق أيّ أحد لاطلب فدية من ذويه؟ تبدو سرقة المال أسهل من حمل جسد شخص والاعتناء به للحصول على مال مقابله. كيف استطيع سرقة شخص؟ لم أفكر طويلًا. قَفزت هي من اللامكان قائلة: اسرقني من بيتي وأطفالي. هل علي سرقة إمرأة من عالمها؟ أم انتزعُ قلبها واشغلها فأكون بذلك سرقتها؟ لماذا تُلمحْ لي بأن اسرقها؟ لماذا لم أفكر أنا بذلك؟ أنا اللص وأنا من عليه التخطيط لسرقة قلبها. لا أن استجيب لغواية امرأة لا اعرفها! ثم إن هذا النوع من اللصوصية ينافي فكرة أن أكون لصًا ذا مبدأ، لن اسرق النساء من بيوتهن لمجرد رغبتي في امتلاك ما لا أملك، هذا ليس أنا ولا أريد أن أكون كذلك.

كيف يمكنني أن اسرق شخص؟ تم استبعاد الفدية وقلوب النساء أيضًا. مرّت الأيام الأولى من الأسبوع وأنا لا أدري كيف اسرق شخص، هل استدرج أحدًا واضربه على رأسه وآخذ ساعته ومحفظته وهاتفه؟ لا أريد فعل ذلك. انتهى الأسبوع ولم أكن سارقًا جيدًا. مددت يدي للورقة الجديدة في أسبوع ثالث لتعلّم اللصوصية “اسرق الأحلام“.

ابتهج اللص الصغير فيّ اشعر أن هذا هو دربي المنشود. من السهل سرقة الأحلام. يكفي أن أسأل أيّ أحد: “ماحلمك؟”. فور انتهائه من ثرثرة أحلامه ونثرها أمامي وصفًا وشعورًا. أجمعها بين يدي واخبئها في جيوب ملابسي. وأخبره أن هذا الحلم اصبح ملكي وأنه لايستطيع استعادته إلا بحلم آخر وحلمه الآخر يمكن بسهولة أن اضعه بين يدي وأملأ جيوبي به.

لن افتح مزيد من الأوراق مرّت أعوامًا كثيرة وأنا سارق للأحلام. حين أعود في نهاية اليوم لأحصيّ ماجمعته من أحلام الناس التي تبدو متشابهه وسهلة لكنها لا تتحقق – وهذه بهجتي التي أخفيها بتواضع اللصوص-. أحلامهم لا تتحقق لأنها في حوزتي، أسرقها فلا يعود للحالمين فرصة الحلم بها من جديد.

الأمر الذي يقلقني في بعض المرات لكنه يزول. الوصف الأكثر دقة أنه مجرد خاطر يمر في بعض الأحيان، أنا أحصي أحلام الآخرين، ماحلمك أنت؟ أنا لا أحلم، أنا لا استطيع فعل ذلك، وإن أردت أريد أن أحلم بالحلم، لكن ذلك لا يحدث ولم يحدث بعد. ربما إن حدث وحلمت رددت الأحلام لأصحابها، وحتى ذلك الوقت أنا لصّ يسرق ما يفتقد، اسرق الأحلام لعلي أحلم.

.

.

الإعلانات

الصغير الذي لم يستطع أن يكبر

في موقف قديم مشترك بيني وبين صديق الطفولة، ذكره قبل بضعة أيام وهو يضحك. أرعبني ذلك! ليس شعور الضحك فقط. وإنما لأني لم أحاول أن أحكيه منذ ذلك الوقت لأيّ أحد – ولا لنفسي-، حتى اللحظة التي قال فيها ضاحكًا: “اتذكر؟! وبدأ بسرد الموقف لكني اخبرته بطريقة مسرحية أن يتوقف عن ذكره فأنا لم اتجاوزه بعد.

علامات التعجب التي ارتسمت بلغة جسده، وتقوس كتفيه للأعلى ورفعه أحد حاجبيه وإسناده لظهره نحو الخلف تاركًا مساحة لعقد يديه فوق صدره، مؤكدًا أن الموقف عادي جدًا، ولا يستدعي الدموع التي طفرت من عيني عندما بَعَث الذكرى من مرقدها.

لطالما ظننت أن الحياة لن تعود للطفل مرة أخرى! في كل عام يمر كنت أدفن ما حدث في الأعماق. أقف فوقه حتى يبدو وكأنه مأهول بالحياة لا يوجد مايختبئ في الأسفل. رغم أن الموقف عادي بالنسبة للآخرين وله. لأنه مرّ بالكثير الذي لم أمر به. طحنته الحياة وسحقته تحت عجلاتها حتى لم يبق منه سوى ابتسامته وقوته التي تعيده للوقوف صلبًا وليّنًا في ذات الوقت.

عدت للمنزل وأنا اسمعه يقول: “اتذكر؟!”، فيزداد الرعب فيّ، نحو الصغير التي كُنت، ولا أدري لماذا أجده يركض نحو الأعماق ليدفن نفسه هناك، حيث النسيان، لكنه لم يحدث. إني صغير لم أكبر بعد! لكن أعيش متظاهرًا في ثوب الكبار، حياة الكبار فضفاضه لا تسعني ولا استطيع أن أكون جزء منها حتى هذه اللحظة.

كنا مجموعة كبيرة من الأطفال نهرول تحت شمس الظهيرة لاعبين لاهثين، ثم قفزنا أنا وهو بعيدًا عن المجموعة بحثًا عن حضيرة للأغنام التي نسمع صوتها داخل مدرسة قديمة ممتلئة بعشرات الأسر الهاربة من جحيم الحرب. وحين عدنا كان والدي يغلي من غيضه لغيابنا، هوى بكفه صافعًا وجهي دون أن يقول كلمة واحدة. كانت عيناه جاحظة وفمه مطبق بلا أيّ تعابير. يدي التي امسكت وجهي لأخفيه عن أعين الأطفال الصامتين بعد صخبهم بسبب صوت الصفعة. وربما أنا من فقد سمعه حين هوت يده للجانب الأيمن من وجهي. عدت إلى الداخل راكضًا خائفًا مبتعدًا عن الجميع وعن الموقف وعن مكان الصفعة. ثم لا أذكر ماذا حدث! إلا أني أكره الحرب والمدارس القديمة وتلك النظرة والفم المطبق الذي لا تدري إن كان الحديث أفضل أم أن الصمت اختيار مناسب!

مازلت صغيرًا هناك امسك وجهي حتى لايسقط من أثر الصفعة، كم أكره الحرب والأغنام وكلمة صديقي “اتذكر”!

موسوعتي في “التدوين الصوتي”

لماذا أفضل سماع الآخرين؟ إن فكرة أن تَسمع وتَسمع ثم تسمع مُعجزة حقيقية. ترى الشخص ولا تدري بماذا يفكر أو كيف يبدو صوته حتى يفتح فمه، فتعرف كيف يبدو من الداخل. حتى وإن كانت مُجرد قراءة من نصّ سبق تحضيره وتم إعداده بشكل جيّد. تظل الأصوات وطريقة التوقف بين الجمل واختيار المفردات شيء يثير فيّ حب الانصات.

اعتبر “التدوين الصوتي” اختراع العصر بالنسبة لي. حيث أني امضيت السنوات الأولى من طفولتي في تقليب محطات الراديو الخاص بجدتي بحثًا عن أحد يتحدث أو يغني عوضًا عن إذاعة القرآن التي تفضلها. وانسى أن أعيد الإبرة مكانها ليصدح صوت الموسيقى في غرفتها حين تقرر أن تسمع القرآن بعد أن انتهت من أعمالها المنزلية.

والآن مع الأعمال الروتينية كالترتيب والتلوين والرياضة والطرق الطويلة التي لا تحتاج سوى الحضور جسديًا أجد الفرصة مناسبة للانصات إلى كلام الناس.

🧬 بودكاست العلوم:

١. علم إف إم.

محتوى علمي مُبسط – يمكن أن يفهمه شخص غير مُختص- يشبه الوثائقيات لكنها مسموعة. تقديم ساري الصبان ورامي طيبة بشكل أسبوعي، تناقش أهم القضايا العلمية حول العالم. أفضل حلقاتهم الخاصة عندي: تشرنوبل.

٢. سايوير بودكاست.

يقدمه الدكتور محمد قاسم هو أول رحلاتي الصوتية من عام 2009 كتابته احترافيه وشرحه مُبسط وتقديمه مميز. حلقاتي المُفضلة: ماهي الحياة؟ والألغاز.

👨‍👩‍👧‍👦 بودكاست في التربية والحياة الاجتماعية:

١. استشارة مع سارة

استشارات ورسائل تناقشها الدكتورة سارة العبدالكريم وتطرح حلول مناسبة للطفل بلهجة محلية بسيطة، الحلقة أسبوعية ومفيدة. تستقبل اتصالات من أولياء الأمور أو المربين يطرحون مشكلتهم مع الطفل وتناقشهم الدكتورة بالأسباب والحلول.

٢. عيب

في جولتي العربية وجدت بودكاست أردني يتكلم عن القصص والمواقف الاجتماعية هناك. مثير للفضول شعور أن كل مجتمع لديه خريطة شخصية، ودليل استخدام لاتدري كيف وُضع ولا تدري أيّ طريقة مناسبة لتشرح بها لماذا يحدث ذلك لشخص يرى القصص من بلاد بعيدة وعالم آخر. مثل حلقة: الزواج من ديانات مختلفة، ساقية في حانة .

✍🏻 عن الترجمة والكتب والكتابة:

١. يونس توك

“إن خير من استكتبت قلم رصين” هي افتتاحية كل حلقة من حلقات تجيب على اسئلة واستفسارات عن كتابة المحتوى والترجمة والقراءة، حلقات مليئة بالكنوز من روابط لمواقع واسماء كتب، شخص ثري ولا يبخل بمعلوماته.

٢. الرف الثالث

إيمان من المغرب العربي تتكلم عن الكتب، مازلت اكتشف حلقاتها.

💰 عن المشاريع الناشئة وطرق كسب المال:

١. سوالف بزنس

لستُ من رواد الأعمال، ولا أفكر بالمشاريع الصغيرة ولا حتى الكبيرة، إلا أن مجموعة المقابلات التي يجريها مشهور الدبيان واسئلته وشكل الحوار اللي يدور بينه وبين الضيوف يشعرني بالمتعة والرغبة بمعرفة المزيد حتى وإن لم يكن ضمن دائره اهتمامي.

٢. كلام

يقدمه ثمود بن محفوظ تشبه فكرة سوالف بزنس، أشخاص يتحدثون عن تجاربهم ومشاريعهم. إدارة ثمود للحوار وطريقته في الأسئلة مُثرية للحلقة.

👩🏻🎙 أصوات أنثوية والعالم المثالي:

١. أبجورة

تقدمه لبنى الخميس عن مواضيع متنوعة مُختصرة. مدة الحلقات لا بتجاوز ١٥ دقيقة -بالفصحى-.

٢. الصوت الأرجواني

حلقات اجتماعية تقدمها رغدة بو، أيضًا مختصرة معظم الحلقات مدتها خمس دقائق -باللهجة العامية-.

٣. ليش

لسمية الناصر، هي حلقات تم عرضها على الراديو ثم رُفعت كحلقات على الانترنت، تناقش قضايا ومشاكل الآخرين من خلال رسائلهم أو مكالماتهم. – باللهجة العامية-

٤. نوف حكيم

صوت أنثوي آخر يناقش قضايا الحياة الواقعية وأيضا تقاطعها مع السوشال ميديا، تعرض تجربة زواجها وأفكارها عن المشاعر وكيف تتعامل معها. – باللهجة العامية-

٥. دُم تك

انهيت الحلقات في يومين فقط، يتحدث عن سير الفنانات العربيات. ليس سهلًا أن تصدح بأغنية، فالطريق لم يكن معبدا بالورد، طربك لصوتها الآن لا يعني أنها كانت تترنم في عالم مفروش بالورد.

⚫️ غير مُصنف

١. مستدفر

غير مفيد للوهلة الأولى، ارتباطي بالحلقات حدث مع مرور الوقت عرفت قصص وأفكار الأشخاص بصوتهم المرتفع. مناسب لشخص يطيل الصمت ويحب صخب الحديث حوله.

٢. فنجان

كمية الضيوف وتنوعهم واستمراريه الحلقات الأسبوعية تثير فيّ الفضول، المُقدم احتجت لوقت طويل حتى اعتدت اسلوبه.

الاستشفاء بالكتابة

.

كنت ومازلت أتهيب عرض ما أفكر به، ثم تركه هنا تملأه ذرات أجزاء الثانية حتى تصبح الكلمات تحت أكوام الماضي. أشعر لحظة نشري لغسيل أيامي أنها ضئيلة وغير مؤلمة ولا تُرى لكثرة ما كُتب ويكتب حول العالم. اخبرت صديقي أني بحاجة لابهام يده يرفعه عاليًا في كل مرة اكتب يوم جديد، ولا بأس أن يهوي بقبضته فوق رأسي إن كان سيئًا! ووعدته أن اكتب حتى أصل إلى اليوم الخمسين أو حتى المئة!! لكني فقدت لياقتي، أريد بدء سباق آخر. لذلك أنا آسف توقفت عند اكتمال الشهر، عليّ تعويض عشرين أخرى في أمر آخر، كدعوة أدسها لك ولوالديك في قلب السماء كل ليلة.

،

اليوم الأخير: رحلة البحث عن رحمة

حفنة العظام التي يجمعها جلدك طوال العمر يستطيع حمل كل هذا، لا وجود للقشة التي تظن أنها ستكون القاضية.

أنت ستظل كما أنت، صلب ولين في ذات الوقت، تسمح للدموع بالانسياب كما تسمح لخطواتك أن تحملك إلى النهاية. تطرق باب الجنة متمنيًا أن تستقبلك الملائكة وتشملك الرحمة.

.

اليوم الـ ٢٩:  رحلة البحث عن كتف

احتاج إلى كتف، إلى استناد غير مشروط. إلى أن اقبل علّتي واحملها في صدري واعتادها كالنبض، دون أن اعرّف نفسي بها وإن كانت ظاهرة. هل قال أحدهم يومًا هذا أنا وهذا جلدي؟ أو هذا أنا وهذه علّتي؟

جلّ ما احتاج إليه هو كتف أُسند إليه رأسي حين تنتهي منه الأفكار، حين يكون فارغ من كل شيء، في اللحظة التي اسمع فيها صوت اللاصوت! احتاج إلى جسدي يحملني حين لا أكون. 

.

اليوم الـ ٢٨: رحلة الحرباء

لا يمكن استخراجي بسهولة بين الملايين البشرية. رغم ذلك سجليّ ضخم لا استطيع إحصاء كلماته، جلّ ما أرجوه هو ستر الله من أفكاري المصبوغة بالأسود، ومن تلوني حين طلبت الحياة اللون الأبيض، ومن صمتي حين ضجّ المكان بالسؤال وأنا أملك الإجابة لكن آثرت الصمت. السلامة الشخصية تلك التي تحمي جلدي من خدش العتاب ومن ملامة اللائم قويّ اللسان.

.

اليوم الـ ٢٧: رحلة الأشياء الصغيرة

في ذاكرتي مواقف عادية وصغيرة جدًا لكنها حاضرة حضور اللحظة. ابتسم حين اذكرها ولا أدري إن كان عقلي يفعل ذلك ليجعل اللحظة سعيدة وهانئة؟ 

  •  صوت أكياس المُشتريات الجديدة.
  • رائحة التربة المُبللة حديثًا بالماء.
  • حبات الرمان الكثيرة في طبق كبير.
  • صوت سكب الماء لتحضير مشروب دافئ.
  • الصمت الحنون رغم اجتماع الأسرة كلها حول سفرة الطعام.
  • رقص الصغار هامسين أن هذه الرقصة خصيصًا لي.

.

اليوم الـ ٢٦: رحلة هوائية

الهواء حولنا رقيق، لا يقاوم سيرنا. يأخذ المساحات الفارغة فور توفرها بلا ضجة. كم ذرعت الغرفة ذهابًا وإيابًا ولم يتذمر. العلب الفارغة يملأها دون أن يخبر ذرات الهواء الأخرى أنه يحتل المكان كرمًا منه. لم يقل وجدتها فارغة لذلك ملأتها. 

حتى في الأماكن الصاخبة والتي يتلون الهواء رغمًا عنه بالتلوث، يصعد مرتفعًا للأعلى حتى لا يخنق أيّ مخلوق، الهواء في أصله نقيّ وشفاف وخفيف وهادئ. يشبه ما أتمنى أن أكون.

.

اليوم الـ ٢٥: رحلة البحث عنها

هيه هل تنصتين؟ مازلتِ تسمعين ما أقول؟ أفضل السير آلاف الخطوات حول كل هذا، على أن أختصر الطريق بخطوة مُبللة بالندم. إن هذا يوجع شيئًا فيّ لا استطيع تسميته، لا استطيع وصفه! تجيبه بصوت خافت: ابحث عن أصل الشعور، عن الذكرى القديمة التي تجعلك خائفًا من خطأ لم يحدث.

تكمل همسها قائلة: تذكر المرة الأولى التي مشيت فيها ثم قيل لك إن السير سيجعلك عليلًا للأبد. لكنك سرت، هل مرضت؟ أم غضب منك الآخرين؟ هل نبذك أحدهم؟ هل صفعك شخص أم جرّك نحوه مع أذنك صارخًا لا تمشِ هنا مُستقبلًا؟ 

أيها العزيز زالت كل الأسباب وشاب شعرك وانحنى ظهرك ومازلت تختار الطريق الأطول الذي لا يوصلك إلى أيّ شيء! خذ بيدي لن أخذلك، كل الذين غضبوا منك رحلوا، والذي صفعك تحلل في التربه منذ وقت طويل، هات يدك إن الطريق إليّ أقصر مما تظن، هات يدك أرجوك.

يكرر قوله: هل تنصتين؟ أفضل السير بعيدًا عن هنا، أنتِ تسكنين رأسي منذ الخطوة الأولى ولا استطيع رؤية اصبع واحد منك لأمسك به.

.

اليوم الـ ٢٤: رحلة التطهر

مُذنب وأجر خطيئتي معي أحملها بين يدي، ومرة فوق رأسي. ابتلعها حين أشعر أنه حان وقت تجرع العلقم. أخفيها حين أشعر أن الأنقياء حولي كثر. ألملم أطرافها حين يكون اللا أنقياء في طريقي خوفًا من أن يعرفوا أني مثلهم. وأني مجرد هارب لا يستطيع الوقوف أمامهم ويعترف أنه لا يشبه أي شيء عرفوه.

.

اليوم الـ ٢٣: رحلة الملح

شرب من الماء وربما الحياة حتى فاض الدمع من عينيه قائلًا: ارتويت وربما اكتفيت.

.

اليوم الـ ٢٢: رحلة تبصّر

يكفي من الجحيم تلك النظرة الصامتة التي لا تدري ما معناها.

ويكفي من النعيم نفس النظرة الصامتة التي لا تدري ما معناها.

.

اليوم الـ ٢١: رحلة الكوابيس

حين عدت إلى غرفتي في نهاية اليوم وجدت حلم البارحة مسندًا ذراعيه على طاولة المكتب، ارتديته على عجل متسائلًا إن كانت  الأحلام المتراكمة صالحة للتكديس؟ جديدها فوق قديمها! ألقيت برأسي على الوسادة ونمت سريعًا دون أن أحلم. 

استيقظت صباح اليوم التالي فوجدت أحلامي تفتح الستائر وترتب المكتب المُبعثر من أعمال اليوم السابق.

منذ متى وأحلامي ترعاني حين أنام وتنتظرني حين أغيب؟ رغم تراكمها وازدياد حجمها ومع مرور الوقت لن يكفيها مكان صغير كهذا المكان، عليها أن ترحل يومًا ما، حين افتح عيني على مصراعيها لكن من أطفأ النور؟

.

اليوم الـ ٢٠: الرحلة الأخيرة

عليّ الاعتراف ولو أمام انعكاسي على سطح الماء، أني شخص مجبول على التبرير  والبحث عن أسباب الرفض قبل الموافقة. شعور عدم الاستحقاق، عدم الجدوى، لا وجود لما هو ضروري، تدربت أن أكون غير مرئي تلك سمة باتت تعجبني دون أن أشعر بالتضاؤل أو اللا أهمية. إنما رغبة في الخفة. كما أود في هذا الوقت المتأخر من العمر، أن أتلاشى كنجم، أن أكون رماد، أو ذرة غبار ترتعش أمام الضوء، هذا الرحيل الأبدي الذي أتمناه ولا أريد أن أخشاه، 

خذي إليك إلى الأبدية والرحمة الموعودة.

.

اليوم الـ١٩: رحلة السلام

ممسكًا بالنعمة لا استطيع افلاتها، أقلبها وأقبلها مفتونًا بها. قشعريرة من سلام تمر بي، لا يمكن أن أكون في حال أفضل من حالي الآن، لا اشعر بالصداع هذا الصباح.

.

اليوم الـ ١٨: رحلة مُباشرة وبلا لعب

لا أجيد لعبة التنس ولا رمي الكرة بنفس توقيت واندفاع اللاعب الآخر. ولا أجيد أيضًا لعبة التوازن إما أن أظل معلقًا في السماء دون محاولة للهبوط، أو أثبت قدمي في الأرض دون محاولة للقفز عاليًا.

ما اللعبة التي تناسبني؟ السؤال المناسب لماذا عليّ أن ألعب؟ يناسبني الوجه المُتجهم، واليدين المستمرة بتقطيع الورق والخضروات. هذه الأصابع يناسبها البحث بين الصفحات وتقليبها بشكل مستمر.

لا استطيع مجاراة لعبة يُنتظر فيها رد فعل سريع وصحيح وذكي، لستُ كذلك، لتحصل على نتيجة مع أمثالي فاكتب مُباشرة.

.

اليوم الـ ١٧: رحلة لشخص واحد !

كالحصان الذي حجبت عيناه ليرى طريق واحد. لا استطيع أن ألقي نظري نحو حياة الآخرين لأنها ليست لي، وإن تقاطعت معي في لحظة أو أجزاء من العمر لا استطيع السؤال أو المشاركة. ولا أدري إلى أيّ حد أبدو غير مهتم. ليس من شأني أن تكون عدد خطوات الآخرين أكثر أو غذاؤهم ألذّ، إني اشبع واستطيع النوم في المساحة المحددة لي.

معزول تمامًا عن العالم بطبقة رقيقة من السكر الهش لكني لا أرغب بالمشاركة. لا أرغب بالتهام الجهة الخاصة بي. فهناك من يعيش في الجانب الآخر يحاول الحفاظ على جهته من التفتت، يحاول جاهدًا أن تحلو حياته دون تطفل الآخرين مهما كانوا قريبين.

.

اليوم الـ ١٦: رحلة مُقتبسة

يقول واصفًا الموت: أن ترحل دون أن  ترتدي حذاءك.

.

اليوم الـ١٥: رحلة اللاعودة 

عن اللحظة التي تكتشف فيها أن الأشياء لم تعد لسابق عهدها ولن تعود. ليست كما يُنتزع الناس انتزاعًا من أماكنهم وشعورهم وأفكارهم ليجدوا أنفسهم في وضع آخر. 

كموت مفاجئ، أو حادث ارتطام، أو سقوط ما. يظن أنه يحلم أو يتوهم الأشياء، فيخبره الآخرين بعد حين كيف بدا متماسكًا وصلبًا من الخارج. بينما لم يكن يدري أن ذلك يحدث فعلًا وأن عليه أن يشعر ويقرر لكنه عوضًا عن ذلك يشاهد خلف زجاج من لا شعور يجعله لا يدرك أنه ضمن إطار الصورة.

اتحدث عن لحظة اكتشاف لتغير آخر،  حدث ببطء دون أن تشعر، كتجربة غليان الضفدع الذي يكتشف انه كان يغلى في اللحظة التي يفارق فيها الحياة فلا يعود بإمكانه القفز أو الهرب. يمر وقت طويل تتبدل فيه الدنيا حولك دون أن تضع تاريخ محدد أو زمنًا بعينه لتغير الأشياء. تصفعك الصور القديمة، والأصدقاء القدماء عندما يخبروك عن الشخص القديم  الذي كُنت. الأمر يشبه خروجك في طقس صحو ثم تعود للمنزل مبللًا بالمطر ، ولا تدري متى اجتمعت الغيوم فوقك وانهمرت أيضًا.

أنا هنا الآن في نقطة اكتشاف الماء المغلي التي استوعبها الضفدع متأخرًا. لا استطيع العودة ولا استطيع المضي قدمًا، أنا عالق في لحظة مابين البين، ولا أدري إن كان النحيب مناسب أم اكتفي بالقفز صامتًا ومبتعدًا.

..

اليوم الـ ١٤: رحلة الحب

عند حصولك على جملة كـ ” كتاباتها رئة ثالثة لي“* تكتشف أن الكتابة ممتعة. الأمر يشبه لعب تنس الطاولة أن ترمي بالكلمة وأنت تعلم أنك ستحصل على كلمة أجمل وأقوى. ترمي بكرة اسمها استشفاء فتعود إليك بـ أحبك*.

.

اليوم  الـ ١٣: رحلة مسمومة

مسمومة كنيكوتين لذلك ابتعد على أمل أنه لن يتمكن من العودة. تاركًا عود الثقاب في جيبه. لكنه لن يُحرق البهجة سيكتفي بوجود فرصة العودة دون أن يعود.

.

اليوم الـ١٢: الرحلة مُراقبة

عالم شديد البياض يصعب أن تبصر تفاصيله. عالم فارغ من كل الأشياء العادية. فارغ من محاولات جريئة، فارغ حتى من الخطوات المدروسة. خاو على عروشه لا تسمع فيه حتى صوت فكرة أو جملة ترحيب.

عالم حتى وإن أبهرك نقاؤه يصعب عليك الاستمرار فيه. لا يمكنك العبور ولا الإقامة. يشبه دخولك عالم شديد الوضوح يسبر أغوارك، يُنظر إليك من عدسة مُكبرة. 

تزفر كل الهواء من رئتيك فور عودتك إلى سابق عهدك بعيدًا عن هنا، هذا المكان الذي لا وجود له، ويصعب وصفه، إنه محاولة ملائكية للنقاء من بشريّ عاديّ لأنه لم يُصطفى.

.

اليوم الـ١١: الرحلة المغلية

قيل في من لا رأي له أن رأسه كمقبض الباب الكل يستطيع أن يديره. وأرى الآن في هذه الظهيرة التي تشوي الدماغ في الخارج أن الشعور والقرارات يمكن أن يديرها الطقس بطريقة أسهل. 

لذلك وكل الأفكار التي تأتي في درجة حرارة مرتفعة – كالصيف والحمى- ليست حقيقية مهما بدت مُلحة، ومهما ظننت أنه لن يهب نسيم عذب خلف هذه اللحظة، ستكتشف أنه على بعد عدة خطوة منك يوجد جهاز يخبئ بداخله درجات حرارة تحت الصفر.

نحن الملتهبين من الخارج تكاد تصل دواخلنا إلى التجمد ولا تدري محتوى الأشياء داخلك فهي مُغلفة جيدًا بطبقة من الجليد.

.

اليوم العاشر: رحلة الاستشفاء بكلمة

يسهل كسري بكلمة. ويسهل سحقي بالتجاهل. كما يسهل إنهائي كما تفعل النقطة آخر السطر.

عندما انحنيت اليوم نحو الأرض لالتقط ما سقط من يدي، لمح في خاطري خيالات للناس الذين مررت بهم في سنوات العمر، الذين نسيتهم أو لم أعد أدري ما الذي فعلته من سوء لا يستطيعون نسيانه رغم نسياني.

نحن الذين حين نرحل أو حتى إن بقينا، يُعرّفنا الموقف الرمادي المسودّ والأقرب للتفحم. إن كنت طيبًا حنونًا وكثير العطاء لكنك تميل بوجهك جانبًا حينما تسمع أمر لا يعجبك سيكون وصفك الحاضر في أذهانهم أنك “صاحب الوجه المقطب” ذلك الذي لا يبتسم أبدًا. حتى يُقال أنك مُت! سيبحث في تلال الذاكره عن وجهك المبتسم عند اللقاء و يدك التي تلوح وقت النهاية.

أدري أيضًا أنه يسهل شفائي بكلمة، كما يزداد الطين قوة عند تركه، ويسهل أن تبدأ بعد أيّ نهاية كما تفعل قطرة الماء التي تمطر من جديد بعد أن تجففها الشمس.

.

اليوم التاسع: رحلة مؤجلة

اسقيها كل يوم، لم تمت لكنها توقفت عن النمو. ألا يبدو شكل من أشكال الانجاز؟ أو النصف الممتلئ الذي لا أدرى متى سأتمكن من تقبله؟ لم تمت بعد ماتزال على قيد الحياة. أميل برأسي نحوها وأسأل: ماذا تريدين؟ حوض أكبر؟ ماء أكثر؟ موسيقى هادئة؟ اتريدين أن أمسح أوراقك أم تفضلين ذارت الغبار وقطرات الماء على سطحك؟ 

أتعلمين وجدت مثلك في بيت آخر، إنها على قيد الحياة مثلك، إلّا أن أحد أوراقها صفراء، تسألني: هل ستعود خضراء من جديد؟ فأجيب: لا، انظري إلى البرعم الجديد إنه ميلاد لورقة جديدة وستكون خضراء.

هل تنامين في الليل؟ أم أنك تحرسين المكان المظلم الهادئ؟ هل يزعجك صوت لوحة المفاتيح اليومي؟ إني افعل ذلك وأحاول أن يكون هادئًا، كما أني اختصر الكلام قدر استطاعتي حتى لا أزعجك، حتى أني سأتوقف الآن لن اكمل الجملـ …

.

اليوم الثامن: رحلة تصنيف

وصل عدد البشر في ذاكرتي الحدّ الأقصى. عندما أقابل أشخاص جدد أحاول وضعهم في خانة أشخاص اعرفهم مُسبقًا وهذا أمر مجحف، لكنه أسهل.

في الفلميبدو شكل البطلة مألوف، لذلك قررت أن تكون شخص اعرفه وكان سهل جدًا، إلا أنني فكرت بسؤال من اعرف للاطمئنان عليها بعد مشكلة حدثت في الفلم، الذي بطبيعة الحال لم تشارك فيه، ولا اظن أنها مهتمة بمشاهدة الأفلام.

في الرواية – شجرتي شجرة البرتقال الرائعة–  يبدو وصف البطل قريبًا من أحد أطفال العائلة -وجه الشبه العمر فقط- ، انتهى الكتاب ومازالت متعاطفة مع قريبي وغضبت من والديه وبقية أسرته، وعندما سألته من تحب؟ قال: والديه وجميع إخوته. كيف نسي ماحدث له؟ وكيف اذكر أنا عوضًا عنه أحداث لا يمكن أن يعلمها أحد إلاّ مؤلف!

انظر إلى انعكاسي في المرايا وانكرني! لا خانة لي، حتى الحدّ الأقصى من التكرار امتلأ، عليّ تجاهل أيّ تحديث جديد، وأيّ أشخاص جدد حتى لو كانت نسخة محدّثة مني أنا، ومن أنا؟

.

اليوم السابع: رحلة الجحيم

القيامة الصغيرة التي أصنعها في عقلي، في كل مرة أشعر بالسوء من أمر غير مبرر لشخص تصرف بعفوية. تجعلني أشفق كثيرًا على الجميع. بالطبع الاشفاق يشملني أو ربما جزء كبير منه يخصني.

في القيامة الصغيرة عندما انظر للبشر حولي أفراد، لا شيء يؤيهم سوى أعمالهم وطيب نوياهم، ثم أفكر مرة أخرى من أين تأتي قوة الملامة، وأصابع الاتهام التي يشير بها الآخرون نحو بعضهم البعض؟ وكأنهم سعاة بريد أوصلوا الذنب لأن أحد ما طلب منهم ذلك، أو ابتسم مشجعًا لخطوتهم الخاطئة.

في القيامة الصغيرة الممتلئة بالرعب والشفقة والحيرة، أردد كلنا سواسية، نختلف في طريقة الاختبار، ونختلف في اختيارنا للأشياء، مخيرين ومسيرين.

يطويني هذا الهاجس قبل أن أنام قائلًا بصوت أُسمعه لنفسي، يارب  اجعلني ممن يقولون: “هاؤم اقرءوا كتابيه”. يارب كتاب نقي نظيف، وأعمال ترضيك، وأفكار لا تغضبك، وبشر لم يمسهم السوء بسببي، يارب يارب اجعل على لساني يوم القيامة هذه العبارة: “إني ظننت أني ملاق حسابيه“. ظننت وعملت واظن أني كنت خائفًا مُبللًا بالرجاء. لا ترد السائلين لا ترد الخائفين.

.

اليوم السادس: رحلة الشعور اللاهث

هل تلاحقك البهجة؟ أم أنك تركض خلفها؟ 

هل تظللك الكآبة؟ أم أنك تجدها تسبقك في كل مكان؟

الشعور جزء منك، لايمكنك اختياره، لا يمكنك تجاهله، لا تستطيع تحديد الكمية الملائمة منه في كل مرة، إنك في كل موقف تحاول أن تكبح تعابير وجهك، بينما الكيمياء تأخذ جولتها عابثة داخلك، داخلك المظلم الذي لا يراه أحد.

وتكتفي بعبارة: اشعر بالغثيان، مُصاب بصداع، لا أرغب بتناول الطعام، والعذر الأكثر تصدرًا هو: لا استطيع النوم.

وفي ثقب عينيك تطل الحقيقية لكنها بلا صوت.

.

اليوم الخامس: رحلة تعلّم الأبجدية

عندما أحلل المفردات التي اكتبها اجدني لا اتجاوز خمس كلمات: “الطريق، الكتابة، الزمن، الآخرين، الشعور بالذنب”.

وكثيرًا ما اكتب النص ثم أحوّل ضمير المتكلم إلى شخص آخر -سواي-، كمن يُبعد تهمة، أو يحاول أن يشير إلى ظلال الأشياء عوضًا عن شجاعة الاعتراف بوجودها. كم أخاف، وأخاف من أمور لا أدري هويتها على وجه التحديد. لذلك أرى ظلال الحروف أشباح ووحوش وجراثيم يمكنها أن تعرقل سيري في الحياة. الحياة الناصعة التي ألمعها طوال الوقت حتى بهتت ألوانها.

.

اليوم الرابع: رحلة المواجهة

خدعة الاستمرار عند الانهيار. ليس أن تتجاهل حدوث ماحدث. ولا أن تقف طويلًا أمام برجك الذي امضيت جلّ وقتك في بنائه. أن تعترف بحدوث ذلك، أن تفتح عينيك لترى جيدًا أنك لست تحلم، تعيش حقيقة وإن كانت تشبه الكابوس. إن إغلاق عينيك ليس حلًا. وبعد أن يمر الوقت على ذلك تذكر:

أن ما حدث لك حدث لآخرين وسيحدث مرارًا لغيرك، إن تكرار ذلك يشعرك أنك ضمن عجلة الحياة لن تكون استثناء، لست من الأصفياء، ولست نبيّ، عليك أن تبذل جهدك الشخصي لتجتاز انهيارك أو تبقى بالقرب منه.

ما أود أن اخبرك به يشبه محاولة الوصول إلى آية: ” مَالَبِثُواغَيْر سَاعَة“. إن ما يفتت القلب حزنًا أن تشعر بعد كل ذلك الانهيار والألم الذي شعرت أنه لا ينتهي سيتحول إلى ساعة واحدة في العالم الآخر، ساعة بدأت من يوم ميلادك حتى وفاتك. إن كل ذلك سيمضي سريعًا وإن سار كسلحفاة. 

لذلك عليّ كتابتها وقولها بصوت أعلى قليلًا لاجتاز ذلك بشكل أسرع:

“أنا عاديّ مثل الآخرين، وأصاب بالصداع “.

.

اليوم الثالث: رحلة تنكرية

عندما اخرج في موعد اترك نفسي في البيت. وحين أعود اجدني في انتظاري. 

.

اليوم الثاني: رحلة المواجهة

مُصاب بأعراض الهروب من البداية. ومصاب أيضًا بأعراض التردد حين أفكر العودة إلى عمل كان جيد. بلا أسباب يمكن قولها بصوت مرتفع. إن كل ما أشعر به هو عبارة “ليس اليوم، إنما في يوم آخر”. دون أن أحدد اليوم الآخر مُطلقًا. 

عملت بجد على كتابة الأهداف، ولوّنتها، وصممت كل التفاصيل، لم يعد هناك سوى أن ابدأ لكن لم أبدأ بعد. عليّ كتابة تاريخ حتى وإن كان بعيدًا، أفكر في بداية العام أمامي شهرين لابتلاع الهروب والتردد ثم القفز والعمل بلا توقف أربع أشهر متتالية.

.

تحديث:

أريد أن أضيف شيء آخر لا علاقة له ببداية العام الجديد، ولا جدول أعمالي. في الحقيقة لا علاقة له بأيّ شيء، كما أنه لاشيء على وجه التحديد. 

عندما كنت صغير، اعرف كيف اكتب لكن لا ادري ما الذي يمكن كتابته، كنت اخبر نفسي أني سأعود إلى الأسطر عندما أكبر، وأن عليّ حينها أن لا أُشعر نفسي بالخيبة فكنت فور انتهائي من الكتابة أمحو كل ما كتبت، أحوله إلى قصاصات صغيرة ثم اتخلص منه. واكتشفت أني حين اظلل الصفحة التي تلي الصفحة الممزقة بقلم الرصاص أجد كل الكلام المكتوب، الكلام الذي ظننت أني تخلصت منه مايزال موجود. والآن اذكر شعوري عندما انتهي من الكتابة،  أن الكتابه لايمكنها أن تحفظ أيّ سر مهما بدا بسيطًا أو حتى غير مهم، إن الكتابة وشم على جلدك لا يزول حتى وإن كشطت جلدك.

.

اليوم الأول: نقطة البداية قبل أن تفرد جناحيك

اكتب، اكتب، اكتب. دون أن تهتم للإملاء وقواعد النحو ورأيك بنفسك فور الانتهاء من الأسطر والنظر لها من بعيد. أو حتى بعد مرور خمس دقائق من الكتابة، أنت على الأغلب ستظلل النص كاملًا وتلقي به إلى اللامكان، ثم تغلق الصفحة.

تعلم أنك لست كاملًا، رغم محاولتك فعل ذلك مئات المرات، ومازلت مستمرًا في بذل جهد ناقص ولا تدري كيف تستوفيه. إن شعور اللا اكتمال يطوق عنقك ويجذبك نحو الأرض. تسير منحنيًا طوال الوقت، لا تستطيع حمل ريشة ولا حتى القدرة على الانصات لقصة جديدة.

كما أن فكرة الكتابة بذاتها اشبه بإعادة تدوير: تكرار للكلمات، تكرار للأفكار، تكرار للشعور، تكرار من أجل التكرار. لا استطيع صنع أي جملة، لكني افعل ذلك لسببين: لأن بدرية تحب ذلك وأنا أحب حبها لذلك أكتب. والسبب الآخر أني اشعر بالخفة فور الانتهاء وكأني بكيت لتر من الدموع، وكأني ركضت حول الأرض دورة كاملة وعرفت أن الأرض صغيرة وأن الكلام المكتوب لن يزيد من حجم الأرض ولن يسبب تلوثًا في أي طبقة من طبقاتها. إن كل هذا الكلام يشبه بذرة إن لم تزهر فهي على أقلّ تقدير لن تقتل أحد.

لا نوافذ في القاع

.

الاستيقاظ داخل الذكريات

– أريد أن استيقظ.

– أنت كذلك.

– وكيف أرى نفسي تتجول خارج جسدي؟

– لأنك ترى تسجيلًا قديمًا لك.

.

ما العمل؟

– ماذا تفعل عندما تسمع خبرًا حزينًا؟

– أحاول منع نفسي من البكاء، ثم اغضب عوضًا عن ذلك، وأنت؟

– أنا حزين ولا أدري ماذا افعل لذلك أسأل.

.

فراغ فارغ

– قلبي الفارغ يوجعني، يدخله الكثير كمحل للأحذية يرتدون أوردتي يخلعون شراييني ويرحلون تاركين المكان مُبعثر، ويحتار النبض كيف يعيد ترتيب دقاته.

– أما أنا فرأسي الفارغ هو ما يؤذيني. حين تأتي بلا موعد فكرة واحدة وتتصرف كذبابة، تصطدم بجدارن الجمجمة حتى تخرج مندفعة بلا معنى ولا قيمة، فكرة تافهة ملّت البقاء في المكان وحيدة.

.

ألتقط الهواء بدلًا من حبسه في صدرك

أنا الهارب من الواقع، الغارق في بحر الأحرف، والمنهمك في موج الألوان، اعلم حين يجف كل شيء، ستبقى الكلمة محبوسة في صدري لأني لم أنطقها. كان موجعًا أن أهرب من ذلك كله عوضًا عن الاعتراف بأني كنت حزينًا جدًا ولم استطع حتى البكاء.

.

خمس أصابع

في محاولة يائسة لتناول طعام صحي، وأكله ببطء للاستفادة القصوى منه، شعرت من اللقمة الأولى أنها عالقة في حنجرتي!! حاولت ابتلاعها لكنها قالت بصوت يطلب النجدة: أنا واحدة ومعي أربعة غيري. شعرت بالاختناق وسألتها: هل أنتِ يد؟ قالت وهي تبكي: بل أسرة، أنا أمهم وهم أطفالي. لسنا لُقمة ولا وجبة، لا نستطيع أن نسد جوعك.

متى قررت أن تكون وجبتي خمس أصابع؟ لماذا لم انظر نحو الطبق قبل أن افعل مافعلت؟

.

نقصان

– مالذي ينقصك؟

– لا شيء.

– أما أنا فلا أملك شيء.

– إن الاكتمال شعور يمكنك صنعه من الـ لاشيء.

.

.

في العمق

أنا غارق تمامًا، ولا أريد العودة مجددًا نحو السطح، اثقلت جيبي بالحجارة، خفت الضوء، وابتعدت الأصوات، سرت فيّ قشعريرة الوحدة والبرد معًا، كل شيء هادئ. افتقد شيئًا واحدًا: “صوت رفرفة طير الصباح بالقرب من النافذة” هنا في القاع لا وجود للنوافذ ولا الصباح.

خلف السور سور

.

أنت لا ترى المكان، جلّ ما تراه هو الباب والنوافذ والجدران. وهذا لا يصف شيء. أحدثك الآن من الداخل ولا استطيع أن أنقل لك الصورة كما أراها أو كما أشعر بها. 

حولي أشياء لها أسماء، وأشياء أكثر لا اسم لها. مثل الشعور الذي يتبع الكلام بعد أن تقوله دفعة واحدة ثم تفكر إن كان مناسبًا أم لا؟ وهل عليك الصمت المرة المقبلة؟ ليس شعور الحيرة ما اعنيه إنما رغبة التراجع، العودة خطوة إلى الوراء، لكنك تعلم  لا يمكن أن يحدث هذا إلا وقت الحساب. حتى ذلك الوقت يتكرر المشهد أمامك عشرات المرات دون أن تستطيع تعديله أو تبديله ولا إنكاره أو حتى تبريره.

ضوء النهار لا يطابق الظلام رغم أن المكان واحد، في العتمة يضيء الصوت، وتبهت الملامح، وتنحني الأشياء لتصطدم بك! تنسى ماهي ثم تذكرها في النهار. فالتي ضربت خاصرتك اسمها طاولة، والذي حاول افتراس إصبع قدمك الصغير ليلًا مجرد كرسي!

.

انظر نحو الناس يبدون كالحصون المنيعة، لا تدري ماذا يوجد خلف جلودهم. أنا بشر مثلهم واشعر أن عيني تذوب من مكانها كالشمع، لكن لا أحد يقول: هيه عينك تحترق! 

جلّ ما أراه منهم هو أبواب أفواههم، ونوافذ أعينهم، وجدران صدورهم، وهذا لايصف شيء! أحدثك الآن من الداخل ولا استطيع الرؤية، المكان مُعتم تمامًا هنا، الشمس لا تشرق في جوفها، ونبض قلبها هو الصوت الوحيد الذي اسمعه، وجولة الدم هي كل ما يمكنني الشعور به.

الوشم:  حكم مُؤبد وألم مؤقت.

.

كيف يمكن أن يكشط أحدهم جلده ليحصل على أثر دائم لفكرة طارئة في عقله؟ كتبت في سيرتي الذاتية أني أجيد البحث عن أسباب لكل الأشياء، كلها بلا استثناء، لذلك سأفكر بعشرة أسباب تجعل شخص يقوم بوشم جلده برسمة دائمة، شخص يقرر أن تدخل الإبرة بألوانها لتقيم أسفل جلده للأبد.

  • رمز لشعور مؤقت وأمنية المرحلة التي عاشها كطير أو محب.
  • تقليد لآخرين يحبهم، أو يرى أنه يشبههم لذلك يفعل مثلهم.
  • حزين أو غاضب من أمر ما لذلك يذكر نفسه ويتلذذ بإعادة تدوير حزنه.
  • مجرد شعور بالملل كما يفعل أيّ سجين، ليقضي فترة ملله في تأمل وشمه.
  • يعتبر الوشم كقطع الاكسسوار والزينة ليبدو أجمل. أو ليخفي أثر حرق قديم أو إصابة أو وحمة ولادة.
  • تعجبه لوحة أو بيت شعري ولا يدري أين يضعه لذلك يختار جسده كجدار متنقل، الأمر يشبه أدب الشوراع، بمسمى مختلف أدب الجلود.
  • وثيقة امتلاك شخصية يضعها المالك ليخبر الآخرين أنه يمتلك هذا الفرد دون سؤال، يكفي أن ترى الوسم على جلده. -نعم وسم بدون نقاط على س –
  • أو أنه شخص من الماضي رسم على جلده خريطة ليتمكن من الوصول إلى المستقبل.
  • أو أنه شخص قديم يعرّف نفسه بوشمه فهو لا يملك رقم وطني ولا جواز سفر.
  • أو أنه نفس الشخص القديم دوّن أسماء كل الذين يحبهم ليتذكرهم، فهو لا يملك قائمة أصدقاء في هاتفه، لم يُخترع الهاتف بعد.

هل سأفعل ذلك يومًا ما؟ أعني وشم جلدي، بالطبع لا، فما أفضله اليوم لا أدري إن كان سيدوم. فلماذا أحكم بالديمومه لأمر مؤقت؟ من الجيّد أن الطريق مسدود اجتماعيًا ودينيًا لستُ أفكر بتجاوز ذلك.

إن جروح الطفولة، وحروق المطبخ تفيّ بالغرض، حتى وإن لم تكن ملونة، يكفي أنها تحمل قصة ترويها لأحدهم عندما يكون هناك متسع من الوقت، الوقت الذي يكون بلا تغطية انترنت.

.

مخرج:

هل فكرت يومًا لماذا يقوم البشر الآن بوشم أنفسهم؟ ولا تفكر في عبارة “وشم على القلب” فكرت بها كعنوان ووجدته باهت وركيك وبلا معنى، لا يمكن لأي إبره أن تستقر في قلبك وتستمر في العيش بشكل طبيعي، وأنت طبيعي أليس كذلك؟ 

مخرج آخر باللون الأبيض للبيضاء بدرية:

حاولت أن لا اكتب عن الكتابة، فوجدتني اكتب عن الكتابة على الجلد هه.

من ابتلع آخر الشكوى،  ولم يُبقِ منها سوى الشكّ؟

.

لا تكتب أيّ نص بعد منتصف الليل، وإلّا اكلت العفاريت نصوصك ثم أعادت ترجمته إلى طلاسم غير مفهومة. لتستيقظ في الصباح، وتجد قصص جنونك وانفصال عقلك الذي حدث عند نوم الآخرين، فلا أنت تدري ماكنت تكتب، ولا تستطيع إنكار أن كل مانشر مكتوب بخط يدك، فتجد نفسك وجبة الصباح تلوكها أفواه الجائعين، المستيقظين باكرًا، الذين لا يجدون حرجًا من بعض الإضافات الجانبية التي تُشبع الألسن وتزيد من جوع العفاريت لتبحث في الليلة التالية عن ضحية يكتب نصه المبتور قبل أن ينام.

.

خذ العبرة من الآخرين، ولا تقل أنك مُختلف، كلنا متشابهون، نبدأ بالشكوى ولا ندري أننا نزرع بذور الشك في صدر من يقرأ ويسمع، والسقيا تأتي سريعًا من خيالات تحول البذرة الواحدة إلى متاهة شوك لايمكن لبشريّ أن يقطعها إلا ومزقته ألف ألف قطعة.

. 

ولأني مازلت عالقة في متاهة الشوك منذ وقت طويل، استطيع أن أمثّل الشخص المصلوب الذي يضرب به المثل لأخذ العظة والعبرة، يشير الآخرون نحوك يدعون السلامة لأنفسهم، ولي بالخلاص. كانت البداية بعد الثانية عشر بعشر ثوان، شكوت على الورق قلة الأفكار، وصعوبة الاسترسال في فكرة واحدة، وعندما جاء الصباح، علمت أن العفاريت أكلت سطري ثم اجترته قائلة: “إنها تقول أن الورق مسموم ولا يصلح للكتابة”. لذلك اختفى الورق حول العالم! 

ومن ذلك الوقت حتى الآن، لم يعد للورق وجود، هاجر الورق واصبحت الكتابة الكترونية.

 ألم أقل لك أن شكواي تحولت لشك.

يا أقرب الناس.. لست أقرب..

أريد ثلاث..

لو سمحت أريد طريقًا سريعًا وسهلًا يوصلني إلى وجهتي. لأني في بعض المرات أجد نفسي توقفت طويلًا في مفترق طرق، ولا أدري أيهما أسرع، والذاهبون لا يعودون لاسألهم أيّ الاختيارين كان أفضل.

من فضلك أريد طريقًا صحيحًا يسهل عبوره، لا يؤذي أحد ولا يؤذيني أيضًا. طريق يشبه السير فوق الغيمة، خفيفًا وعابرًا وسهلًا.

عندما أحدث أحدهم أو بالأحرى يتحدثون معي، أفكر هل أنا عثرة في طريقهم؟ أم أني أساعدهم في المرور؟ هل وجهتهم تشبه ما ابحث عنه فنسير معًا؟ أم أنهم يرغبون سير طريق آخر، أو برفقة أخرى؟ أكثر صبرًا، وأقل ترددًا، يبحثون عن أحد بمميزات طير وأنا بلا جناح؟ 

أعرف وجهتي جيدًا، ولكني بلا خرائط. وبوصلتي تتأثر بمغناطيس أفكاري، تظل الأبرة تدور لأيام دون أن تتوقف. عرفت أني أسير بلا هدى عندما عدت مرارًا لنقطة البداية ظننت أني اقتربت لوجهتي، شعور المُفاجأة يزداد في كل مرة أعود، وأسأل متى سأصل؟ من فضلك أريد جناحًا وبوصلة ومزيد من الصبر.

.

الجانب الآخر..

عندما سقط قلمي أسفل الخزانة الثقيلة التي لا يمكن أن تزاح من المكان إلا بتفكيكها. انحنيت محاولًا التقاطه أو على الأقل قياس المسافة إن كان بعيدًا لا يُرى، أو يمكنه التقاط ذرات من ضوء الغرفة. كان بعيدًا ولا يمكن التقاطه. فكرت بقلم آخر رغم أني أعلم بوجوده.

يحدث ذلك كثيرًا، ليس مع الأقلام فقط. يحدث ذلك الآن أبحث عن الكلمات لكن لا أجدها، تختفي في الجانب الآخر من لساني، أعلم أنها موجودة لكن لا يمكن الوصول لها، فاستخدم كلمات أخرى، كلمات متوفرة لأن ما أريد لا يمكن الوصول إليه.

الجانب الآخر الذي تراه لكن لا يمكن أن تمسك به.

الجانب الآخر الذي يمكنك سماعه دون أن تحبس صوته وتحوله إلى تحفة أو مادة قابلة للتشكيل بين يديك.

الجانب الآخر الذي لاتملكه ولا يمكنه امتلاكك.

.

شيء من بين الأشياء..

في القصة القديمة الذين ركبوا سفينة النجاة هروبًا من غرق مؤكد، لم يحملوا معهم شيء سوى أنفسهم. يشغلني أمر استعدادي وفكرة التخلي عن كل الأشياء. افكر بحمل نفسي وحدها طوال الوقت، أشعر بثقلي وافكر كيف لي أن أحملني عندما يحين وقت النجاة؟

أنا ثقيل كحجر، بل الحجر يمكنه التزحزح، إني أثقل، لي جذور ممتدة في الأعماق، فهل سأغرق؟

.

يا أقرب الناس.. لست أقرب..

يصعب أن أفهم متى وصلت إلى هنا، وكيف كانت تجربة الخطوات الأولى، متى كنت أركض؟ ومتى بدأت المشي دون حساب الخطوات أو انتظار الوصول، أسير فحسب، عندما انتصف الطريق بدأت أفكر كيف حدث ذلك؟ أيّ القدمين أرفع أولًا، هل سرت باتجاه الريح أم عكسه، هل سألت أم أني كنت منذ البدء اتظاهر بمعرفة الأشياء.

يا أقرب الناس لم أكن ألحق بك، تقاطع طريقنا ويبدو أني ابتعد الآن، ولستُ أقرب.

.

هيه أنت..

ليس شعور عدم الاستحقاق ماكنت اكنه لنفسي طوال الوقت. بل كنت أشعر أني شخص غير مرئي، شفاف، صغير جدًا، لا يمكن أن تلتقطني كاميرات المراقبة، ولا أن يلتفت إلي أيّ أحد، ظننت لوقت طويل أني لا أحد، حتى قال أحدهم مُبتسمًا: خذ هذه القطعة، إنها لك.

.

ولـ اختصر عليك القراءة:

أريد ثلاث: جناح وبوصلة والمزيد من الصبر.

الجانب الآخر: لايمكن أن تدرك المستحيل.

شيء من بين الأشياء: الأشياء لاتغرق، تظل راكدة.

يا أقرب الناس.. لست أقرب: كـ مسافة ثابتة بين العقل والعاطفة، بين الاثنين بُعد لا نهائي.

هيه أنت: صوت النداء المزعج المُحبب، إنك موجود مهما حاولت الاختفاء.

بلا سيرة

في استقبال ما، بين أكوام من الورق، كان هناك، لا يرفع رأسه نحو القادمين، يكتفي بمدِ ورقة قائلًا: اكتب سيرتك هنا، ثم ضعها هناك. ستفرز السير الذاتية ثم نعاود الاتصال بك.

الوقت مبكرًا والاعداد تزداد ببطء، لم يتكدس البشر بعد. لكل فرد كرسي يمكن الجلوس والكتابة.

وهناك آخر بالقرب من طاولة الاستقبال، لا يدري لماذا يقف مع الآخرين، ولا يدري لماذا أخذ ورقة مثلهم! يبتلع ريقه، أيّ سيرة يكتب؟ ولماذا يخبر نفسه عن أشياء يعرفها؟ ولماذا يخبر الآخرين عن أمور لا تعنيهم؟

يقرر أن يكتب. يغمض عينيه مفكرًا بالجملة الأولى. ولدت طفلًا وحيدًا يمحوها، لم يكن وحيدًا كان الأول وتلاه عشر إخوه. هذا لايعني أنه وحيد، فلماذا يكتب هذه الجملة كتعريف عن نفسه؟ هل عليه كتابة: أشعر أني وحيد؟ أم يقول أن أخوته افسدوا جملة أنيقة “ولدت وحيدًا”. تتابعوا في قدومهم عام تلو الآخر حتى ظن أنه لن يكون وحيدًا أبدًا. حين يغمض عينه لا يرى ظلامًا، إنهم يضيئون له العتمة، يراهم مبتسمين، ويلوحون طالبين منه شيئًا لا يدري ماهو، لكنه رغم ذلك يبتسم.

يفكر من جديد بجملة صادقة لا تحتمل التأويل. عن سيرته التي لم يخطو فيها الكثير. وإنما كان يقفز عشر خطوات دفعة واحدة، بينما سار الآخرين بشكل طبيعي. كان الأفضل والأسرع والأذكى لكنه كما يؤمن في أعماقه قليل الحظ. إن سقط نيزك من السماء فهو لن يسقط إلا فوق حديقته التي كان يذرعها طوال اليوم، أو فوق أيّ شيء ثمين يمتلكه وليس فوق رأسه فهو قليل الحظ وليس معدوم الحظ. لذلك يعيش بفرص قليلة وخيبات تفوق تصوراته. ويدري أن سيرته لن ترى، لأنها لم تكتب.