يجتر حروف الجر

أتدرك كم أنت ضعيف؟ لا تستطيع أن تجبر نفسك على فعل ما لا تستطيع فعله! ولا يمكنك أن تعرف مايدور في خلد الآخرين حتى وإن اقتلعت الكلمات من أفواههم، فهي ليست تماما ما يعنون أو يشعرون، بل إنهم يقولون ما سيتغير كنهه بعد مرور الوقت.

إنك مقيد بالزمن، لا يمكن بأيّ حال أن تصل إلى يوم الجمعة. تقف مكتوف اليدين في يوم سبت هادئ منتظرا مرور الأيام، أن تشرق الشمس وتغيب مرة بعد مرة حتى تصل ليومك المنشود، وحين يأتي لا يكون هو يوم الوصول، وإنما جمعة أخرى من عام آخر ليس هذا العام ويمضي العمر واقفا منتظرا جمعة لا تأتي!

جميعنا نثير شفقة أحد ما، هذا الأحد هو أنا في أغلب الأوقات! يبذل الانسان وسعه حتى وإن لم يفعل شيء يذكر، يبدو ضئيل وبلا حيلة يقف أمام الهواء ولا يستطيع منعه من اختراقه والتغلغل في أصغر خليه من جسده! تركض نحوه ذكرياته الأولى فور إغماض عينيه، قبل الخلود إلى النوم فلا ينام بسهولة! تُلقي به روائح الطعام نحو المرات الأولى من ذكرياته البعيدة التي تتقافز أمامه لكنه لا يقولها. إنه لا يدري كيف تسعفه اللغة في وصف ما لا يوصف! إذ أن رائحة اللحم المشوي أو الخبز تبدو لتكرارها آلية الحدوث ولا يمكنها أن ترتبط بذكرى أشخاص رحلوا وهو راحل أيضا معهم. لم يعد نفس الشخص القديم، لا أحد يستطيع أن يبقى في ماضيه مهما تشبث، مهما كرر الحكايا القديمة، إنها تبهت وهذا يبعث الشفقة ولا حل لذلك سوى الاعتراف أنها حدثت وأنه لا يستطيع أن يعيدها مهما كررها.

كم هو مُربك عندما أفكر بفكرة دون أن ارسم حدودها وقوانينها الفيزيائية. أيمكن أن تنجو الأفكار التي تشبه وتطابق أفكار آخرين؟ ماذا لو أنهم لم يفتحوا أفواههم بها، وإنما اكتفت بالتجول في سقف أدمغتهم ولم تتجاوز أيّ حدود. اكتفت في أن تكون تماثيل جامدة تلامس سقف الجمجمة دون أن اختراقها. ألهذا يفقد بعض الناس شعرهم؟ هذا ماتفعله أفكارهم تسرق خصلات الشعر وترسم بها السقف لأنها لا تستطيع الخروج؟ وتكتفي في التمدد والحملقة نحو الأعلى كما نفعل تجاه السماء التي لايمكن لمسها، نتأمل النجوم، نتأمل البعيد الذي لا يمكن الوصول إليه.

أتدرك ضعفك؟ لا تستطيع أن تحرك الوقت ولا أن تمنع الهواء ولا أن تلمس أيّ سقف، تجتر حديثك وتحاول أن تجعل خطواتك مشابهه لكل ما تقول وما تفكر به، تجد نفسك أثقل من أن تحملك الأرض وفي مرات أخرى أخف من أن تلامس سطح الماء.

رأي واحد حول “يجتر حروف الجر

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s