مكان تزوره ألف ألف مرة.

،

مشهد يتكرر في ذاكرتي أظن أنه لأهل التبت وهم يقتلون حيواناتهم بطريقة غير مألوفة للحفاظ على كامل الدم داخل جسد الحيوان. يُشق بالسكين مساحة تكفي قبضة اليد ثم يدخل أحدهم يده سريعًا ويمسك قلب الحيوان ليسقط ميتًا في ذات اللحظة التي عصر فيها قلبه كقطعة عجين دافئة.

هل يبدو هذا شكل السكتة القلبية، السكتة اليدوية؟ أم القبضة اليدوية؟

هل أبالغ إن قلت إن ذلك الشعور يمرني بلا مناسبة، أهو ترف البحث عن حزن؟ أم هو الشعور البشري الأزلي. الألم والسوداوية التي يجدها أحدنا أو تمر بنا مرورًا دون أن تطيل البقاء. في دقيقة ما قبل النوم، أو في ساعة ازدحام مروري نجد أنفسنا عالقين لا نستطيع الحراك لذلك يمرنا الشعور، أو في رحلة البحث عن الكمال فنأخذ معنا شعور الانقباض كمقابل؟

أشعر أن أحد لا أدري من! يقبض على قلبي محاولًا الاحتفاظ بكامل دمي داخل جسدي حتى لا يتسخ المكان! أعلم أنه عابر، ولا يشبه الموت بأي حال من الأحوال، إنه القدر الذي يزورنا بسبب نعرفه وبلا سبب لأننا لا نعرفه.

هل التفكير بهذه الطريقة يصدر من شخص مريض؟ مريض ينتظر القبضة اليدوية، ويحاول صنعها في عقله أولًا، ليوقف قلبه ثانيًا، ليتهم حزنه وظروفه كخطوة ثالثة؟ تسري قشعريرة فيّ. وأمحو الخطوات الثلاث مستغفرًا ومفكرًا: “هل كل ما مضى قد مضى؟ أم أني ذاهب إليه الآن ولا أدري متى سأعود إلى اللحظة؟”.

إن المشكلة الصغيرة التي أجد نفسي فيها عندما أشعر بمحاصرة سؤال أحدهم: “لماذا لم نعد نقرأ لك كما في السابق؟”. احتار في الإجابة فأنا شخص لا يستطيع الكذب ولا أريد قول الحقيقة. والصمت عن الحقيقة كذبة بيضاء، أبيض من النقاء، بياض مؤذ للعين.

لذلك أجيب بأقل قدر من الكلمات: “إن أحدًا لم يسأل لماذا لم نعد نقرأ لك كما في السابق؟” إنه سؤال تخيلي كتبته بنفسي ولم أجد إجابة له. بل إن قبضة رجل التبت تمتد إلى النص بأكمله وتضغط زر “الحذف” وربما “إرسال” لا يوجد فرق جوهري بين الاثنين. إذ أن الكلام في نهاية المطاف لن أراه مجددًا، سيسقط سريعًا إلى الماضي. الماضي: الذي حدث ولا يستطيع أحد، أي أحد أن يغير جملة واحدة منه. لأنه قابل للزيارة ملايين المرات وغير قابل للتعديل ولا حتى لمرة واحدة.

مخرج:

أنا ماضيك الذي رحل ولن أكون حاضرك ولا مستقبلك، ولو قبضت قلبي ملايين المرات، لن تجد سوى جثة تسقط في نهاية السطر بعدد المحاولات، وبلا صوت، ودون أن تلوث المكان، دمها حبس داخلها، وقطعة العجين الدافئة ستلوكها ألسن الجائعين للكلام.

وإن زرتني ألف ألف مرة، لن أعود، لا استطيع أن أعود.

4 آراء حول “مكان تزوره ألف ألف مرة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s