فن الكتابة عن لاشيء

البئر فارغ، امضيت النهار بطوله ألقى بالدلو الذي يخرج جافًا في كل مرة يعود بها إلى السطح. يكاد أن ينكسر من قوة اصطدامه بالقاع اليابس، أرميه مجددًا بلا يأس قائلة: إنها المرة الأخيرة لعل قطرة تلتصق في قاعه تبحث عن مخرج من ظلمة المكان. حتى غابت الشمس واظلمت الدنيا في عيني، ومازلت ألقي بالدلو المرة تلو الأخرى ولا نتيجة، لا أفكار، لا كلمات، لاشيء.

.

استسلمي يا إيمان، نضبت أفكارك، لا كلمات يمكن كتابتها، عليك الخلود إلى النوم والصمت معًا”. اسحب الدلو ومعه آخر زفير من صدري، ثم أُغلق البئر، وينطفئ معه الحرف الذي كان يبحث عن رفيق ليكمل المعنى. حان وقت الاستسلام فقدت الحبر الذي كنت اكتب منه. 

.

يا الله جفّ صدري وأقلامي وأحلامي، ولن يمتلئ الدلو مجددًا، كنت حريصة على غلقه بعد كل انتهاء من فعل الكتابة، حتى انتهت أفكاري. هبني فكرة يا الله لـ اكتبها في الصباح، ثم تصلني رسالة أني كتبت مايشعر به الآخرون في الجانب الآخر، الآخرون الذين لا اعرفهم، ولا ادري كيف استطعت الوصول إليهم دون أن اشعر! دون أن أرى ماذا يوجد في الجانب الآخر.

.

لطالما حلمت بنص طويل، يقطع الدروب يصف كل ماحوله بلا تكرار ممل، دون أن يكون كالكلمات المتقاطعة، نص لا يترك القارئ في حيرة محاولًا أن يجد الرابط بين السطر والسطر الذي يليه، ويظن أنه غفى بين الكلمات، لكنه لم يفعل. وإنما النص الذي تمنيت أن اكتبه لم اكتبه بعد، ولا أدري ما شكله، ولا أدري عن ماذا سيكون! الكتابة بلا هدف؟ هذا هو حلمك؟ ارفع الوسادة عاليًا ثم ادفن بها وجهي قائلة: “لا حبر فتكتبين، ولا طريق طويل يمكنك سيره، إنك حتى لا تملكين رصيد كافِ من الخطوات، لتخلدي إلى النوم”. هويت سريعًا في عالم لا اذكر منه أي شيء، واستيقظ منه دون أن اذكر أيّ حلم كنت فيه، وأيّ ساعة خلدت فيها إلى العالم الميّت.

.

في الحلم سـ أرى نبعًا آخر يمكن أن اكتب منه، عوضًا عن بئري الذي جفّ ولم يعد صالحًا حتى للاختباء!

في الحلم سـ أتمكن من كتابة ألف ألف سطر، دون أن تفقد الجملة بريقها، ودون أن يفقد النص معناه.

في الحلم سـ أقول شكرًا لكل الرسائل التي تخبرني أني في الجانب الآخر أبدوا تمامًا كما أنا بشرية ناقصة لم تكن يومًا كاملة، ولم تكن يومًا أكثر من شخص عادي يحاول أن يكون عاديًا ويشبه الآخرين للحد الذي يشعرهم بالألفة قائلين: “هل التقينا من قبل؟”.

في الحلم سـ تحدثني الكلمات وتخبرني أنها لطالما تمنت لقاء كلمات أخرى، وأن اجتماعهم معًا سيكوّن جملًا لم يسبق أن اجتمعت على أرض الواقع، وأني إن فعلت ذلك سيكون سبقًا لغويًا، الأمر يشبه خلط مركبين معًا لينتج معدن ثمين لا يبلى.

في الحلم سـ أكون واقعية واحمل معي قوانين الأرض، لن أطير، لن أغوص، لن انتقل من مكان لآخر دون اعتبار للمسافة، ساحمل معي تذاكر التنقل وتراخيص العبور، ساحمل معي أذن الكتابة واكتب مايوافق قوانين الأرض حتى وإن كنت في الحلم لا أملك زمام الأمر، علي اطباق فمي جيدًا عوضًا عن هزّ رأسي بالموافقة حرجًا، لـ أتمكن من حمل نص واقعي اجده عندما استيقظ.

.

وأدري أن الصباح سيأتي، وسـ استيقظ لا اذكر سوى اليوم الذي مضى، والأيام السابقة، أما الأحلام فلا وجود لها! أنا واقعية للحد الذي يثير الضجر، مثالية للحد الذي يثير السخط، عاقلة للحد الذي يثير الريبة، ومملة للحد الذي يثير الشفقة، أنا امرأة لا تحلم ولذلك لا تجد شيئًا تكتبه! ولكنها لسبب ما كتبت في العنوان “فن الكتابة عن لا شيء“.

الإعلانات

رأيان حول “فن الكتابة عن لاشيء

  1. في الصباح الباكر
    في العمل
    وبعد أن أصبحت قهوتي جاهزة .. ودافئة
    كان أول شيء فعلته أنني قرأت هذا النص
    في كثير من سطوره شعرتُ وكأنني أنا الذي كنتُ أكتبُ هذا
    وأنا الذي كنتُ أشعرُ هكذا
    إنه الرضى ..، الرضى الكامل لوجود من يفتنكَ بنصوصه حتى وهو يكتبها معتقداً بفراغ دلوه
    يسعد صباحك إيمان.

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s