شهرين.. ستين شمس وستين ليل؟ **

في رأسي بيت شعر للأبنودي من قصيدته الطويلة: “بحر من ولاد الناس” من رسائل أب لزوجته يخبرها عن البشر الذين شاهدهم في رحلته التي استمرت طويلًا بحث عن رزق. وها أنا من مكاني أشاهد بحر من الناس، يمرون سريعًا، أحاول أن أصنع قصصًا لهم، بشكل أسرع من مرورهم، يحملون أكياس تسوقهم وأكواب القهوة، مُنحنين نحو هواتفهم تارة، وتميل أفواههم نحو أذن الآخر ليصبوا الكلام صبًا تارة أخرى، فالضوضاء تعمّ المكان. وأنا اسبح عكس التيار كسمكة تقفز مُخالفة السيل البشري، اكتب في رأسي قصصًا بشكل سريع، وخاطئ، وغير دقيق. فالطفل الذي يركض أمام السيدتين ليس لهما وإنما للأخرى التي تجلس على الأرض تربط حذاء صغير آخر. ولماذا يسير هذا الرجل خلفهم ببطء؟ يبدو أنه مشغول بهاتفه! كلا إنه لا يُبصر، ممسكًا بيد هذه الفتاة، أهي ابنته؟ لهما نفس الملامح، لماذا هو صامت؟ ربما ينصت للضجيج. أم أنه لايسمع أيضًا؟ كيف تبدو هذه العتمة، كيف لايكون الأسود أسودًا وإنما يجهل معنى الضوء كما اجهل الكثير عن الحياة كطعمها في  الجانب الآخر من هذا المكان. 

.

يعود صوت الأبنودي من جديد قائلًا: “قولي ميّات ألوفات“، كم عدد هؤلاء البشر، وكم عدد الأفكار التي تراودهم الآن، بل وكم عدد أمنياتهم التي لا يسعها سقف المكان، ماذا لو كان لكل شيء صوت، أو لون، كيف سيبدو شكل المكان؟ صوت جرس الانذار يصدح في اتجاه اليمين، ولا أحد يعبأ له، ولا حتى عامل النظافة الذي يستطيع سماع صوت سقوط الورقة على الأرض ليلتقطها ويلمع المكان، ليُظهر انعكاس المارة وكأنها يمشون فوق زجاج، هو أيضًا لا يرفع رأسه نحو صوت جرس الانذار. هل يفتقد أهله؟ أم أنه اعتاد الغياب، أم أنه بلا أسرة؟ وماشعوره عندما يرى البشر يسيرون حوله طوال الوقت، وليس بين السائرين أحدًا يعرفه، يردد الأبنودي في رأسي من جديد “ربنا ما يوري حد غياب“. وماشعور عاملي المخازن وموظفات ترتيب القطع الثمينة في واجهات المحلات؟ هل تمنوا أن يشتروا شيئًا من هنا؟ أم أن الأبنودي يعبر عن لسان الحال قائلًا: “إن ضاقت بينا الحال يكفينا ريال“.

.

شاشاتهم التي تضيء وتظلم، أصابعهم التي تنقر الأحرف، والآخرين الذين يسجلون رسائل صوتية، والذين يلقون نظرة خاطفة على الشاشة ثم على السلع وأسعارها، يسرقون ابتسامة بين سعر مُناسب وشاشة الهاتف التي تضيء بإشعار ما، يهمس الأبنودي قائلًا “وإحنا هنا بنستنى الجوابات بفروغ صبر“.

. 

تزدحم أماكن التخفيضات وتسقط السلع على الأرض وكأنها لم تعد ذات قيمة، تسمع صوت قارئ الأسعار يردد بلا كلل “بيب بييب” لا يتوقف الا لطباعة فاتورة الحساب، وتمتلئ الأيدي بالأكياس، وتضع حدّ على أنسجتهم التي لا تصرخ ولا تئن إلا عند الوصول إلى المنزل، فهبوط الأسعار إلى ٧٠٪ تعني قدرة على حمل المزيد. أقبض بيدي على الحقيبة التي انزلقت هاربة من كتفي ومن صوت القصص التي اصنعها بلا توقف، وانقلها إلى الكتف الآخر لعلها ترى الجانب الذي لا يشبه ماكانت تراه قبل لحظات فالجانب يحمل لوحة كبيرة كتب عليها “اشتري قطعتين والثالثة مجانًا”، يطمئنني صوت الأبنودي مكررًا قوله: “إن ضاقت بينا الحال يكفينا ريال“، يارب سعة في الحال والنفس والأرض. سأعود للمنزل بعد ساعة من الآن، ولكن السيل البشري لا يتوقف، وأنا القطرة التي سئمت لعبة القصص، واشعر بالجوع، تتعدد اختيارات الطعام، وتطير الأطباق من يد لأخرى، صوت الأبنودي يقول: “يعني أنا دقته .. ؟ والنبي بعنيا قعدت أتفرج ع الرجال بياكلوه“، الذين يأكلون دون أن تنحدر اللقمة إلى جوفهم لسعادتهم بشبع الآخرين، أما أنا فأريد أن أعود للهدوء، للصفحة البيضاء واكتب ماكتبت وأنام.

.

.

** القصيدة كاملة: [ يوتيوب – نصية على موقع أدب ]

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s