اصبعين “خارج النص”

 

– منذ متى وهذا الجرح في يدك؟

ينظر إليه، يطيل النظر، ثم يمسحه بباطن كف يده السليمة، هل هي سليمة؟ ينقصها إصبع أو اثنين، فلماذا يسأله عن جرح هذه اليد ولا يرى الأصابع المبتورة؟

يجيب دون أن يُبعد عينيه عن مكان الأصابع الفارغة:

– خدش ما، لا اذكر متى حدث، لكنه على أيّ حال لا يؤلمني. يسأل نفسه، هل حقًا لا يؤلم؟ اعني أن الإصابة حديثة عليّ أن اشعر بها.

.

كما أن حنجرتي مُتمددة هذا المساء، لا استطيع ابتلاع أيّ شيء، والتمدد جيد يعني عبور الطعام بسهولة، لا لا الأمر يشبه محاولتك منع البكاء. هل تعرف هذا الشعور؟ عندما تحاول أن لا تبكي؟ لستُ حزينًا الآن ولكن حنجرتي تفعل ذلك وتمنعني من ابتلاع هذه القطعة الصغيرة والأخيرة من الكعك المُحلى.

يقرب قطعة الحلوى نحوه ويسأل:

– ماقصتك؟

 أعيش دور الراوي استطيع أن احكي لك قصص الآخرين، استطيع أن أصف شعوري في هذه اللحظة، لكن لا أملك قصة شخصية لتروى، مالذي يمكن أن اكتبه عن نفسي؟ أنا اكتب؟ هذه ليست قصة وإنما فعل، مُجرد فعل، وهل حكايتي فعل لا يروى؟ أم أنها بلا أحداث!

.

هل احكي لك تفاصيل بسيطة؟ اخبرك أني أكبر اخوتي وأني بلا أمنيات، لستُ منزوع القلب وإنما محاط بالمباهج الهادئة، صحتي جيدة، لا أشكو من شيء إلا من  فقد إصبعين ولا أدري متى حدث ذلك، كما أن الطعام هنا لذيذ، لا اذكر أني شعرت بالجوع طوال اليوم، ووزني لا يزيد، والكثير يغبط ما أنا عليه.

.

اذكر أني حين استلقي على السرير أرى في السقف ثقوب كثيرة، لا ليست زينة، وليست آثار رصاص فكيف للرصاص أن يخترق السقف؟ إنه يأتي من النوافذ أو الجدران على أبعد تقدير، كنت في كل ليلة أعد الثقوب حتى أنام، وعندما استيقظ انسى أمر الثقوب وأطيل النظر لمجموعة الأوراق التي تنتظر دورها، فأسأل نفسي منذ متى وأنا اكتب، فتفزعني الاجابة، إني لا أفعل شيء آخر سوى الكتابة، حتى أني لم أعد أملك حياة تخصني.

.

– إنهم يكتبون سيرتهم الذاتية، فلماذا لا تفعل مثلهم؟  

– لم أكن أعلم أن الحياة التي كنت أعيشها هي قصتي، كنت مشغولًا في مشاهدة الآخرين والكتابة عنهم، حتى نسيت أمري، كنت ذائبًا تمامًا في نصّ يجفّ على سطح الورقة فور انتهائي منه، والآن استبدلت الكتابة الورقية، واصبحت اكتب الكترونيًا وهذا غريب، حيث أنه لا وجود لي عندما أغلق شاشة الجهاز، لم يعد هناك أوراق تدل على وجودي أو عملي اليومي، عندما تنقطع الكهرباء كعادة انقطاعها ويتبعها انتهاء بطارية الهاتف اكتشف أني افتقد اصبعين من أصابعي ولا اذكر متى حدث ذلك، وهناك خدش صغير واذكر اني آذيت نفسي عندما كنت اقطع الرغيف، هل قطعت أصابعي لنفس السبب ولماذا لا استطيع تذكر ذلك؟

.

– لم تخبرني بعد ماقصتك؟

– تجاوزت الكتابة الحزينة، والسوداوية، تجاوزت الكتابة البيضاء الناصعة التي تتحدث عن الخير، تجاوزت النصائح ويجب وما لايجب، وبدأت اكتب أفكاري واكتشفت أني لا أملك إلا كلمات، مفردات، لا تستطيع أن تكوّن أكثر من جملتين. يا إلهي أنا بلا قصة، كنت أضع نفسي مؤقتًا من مكان لآخر وعندما حانت النهاية لم استطع أن أكون نفسي.

يقف الآخر متمللًا قائلًا:

– أنت لا تذكر متى حدث هذا الجرح، ولا تعرف ماهي قصتك، أراك في وقت لاحق. 

مدّ يده مصافحًا ومودعًا، إن يده ينقصها أصبع أو أصبعين، عقدت الدهشة لسانه فتحدث سريعًا:

– أين أصابعك؟ أنت مثلي كاتب؟ وفقدت اصابعك في قصة ما؟

 نفض رأسه محاولًا التخلص من عبارة كاتب، وقال:

– الكل يملك يد بخمس أصابع ويدك أيضًا خمس أصابع، لماذا تفترض أن لديك سبع؟ وأنك فقدت اثنين منها؟

– آآآه أممم لأن هناك فراغ هنا وهنا كأنه مكان اصبع.

وهل تظن أنك أخطبوط؟

“صامت ينظر نحو يده”

حسنًا يا سيد ياصاحب السبع أصابع وتفقد اصبعين مبروك أنت بشريّ الآن، ويبدو أنك لا تمتلك قصة خاصة بك، فأنا راوي كل ماكتب أعلاه.

 

.

من أرشيف ٢٠١٦ الذي ظننت أنه غير قابل للنشر.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s