تلف وتدور

⬆︎⬅︎

.

يمرّ الوقت، وأنا أحاول تفكيك عقاربه، لقد اشتبكت الساعة مع الدقائق وهذه ليست المرة الأولى، كنتُ حليمًا في كل المرات التي يلتقيان فيها لدقيقة واحدة، كانت الساعة تغضب قائلة: إن الطريق طويل، والدقيقة لا تكلّف نفسها البقاء للتحية، تمر مُسرعة مرة في الساعة، فأجيبها: لكنها تزورك العديد من المرات في اليوم وهذا كثير، إن مجموع ما تمضيه معكِ ثلث ساعة يوميًا، وبصوت منخفض -تقريبًا-، إنها كافية لتناول وجبة طعام دافئة، وتبادل أهم أخبار اليوم، فلماذا أنتِ غاضبة؟ أرجوك لا تغضبي..

.

أما الدقيقة تشبه الكثير من السائرين في هلع، تسير بخطوات متقاربة بلا توقف، قطرة دمع أم عرق تلك المنحدرة من عنقها؟ تتكلم دون أن تنظر نحوي، “هشش، إنها تطلب مني أكثر من مقدرتي، إنها تطلب البقاء، أن أمدد قدمي مثلها، فخطوتها الهادئة هي مجموع ركضي اللامتوقف، نحن الضعفاء الذين يكدحون من أجل راحتهم ثم من أجل حياتنا، هشش، لا أريد أن اسمع أي شيء”.

.

.

من جهة أخرى كانت الثانية تدور كطفلة فرحة بفستانها الجديد، ولا يمكنها أن تنصت للكبار حين يقولون توقفي عن ذلك نشعر بالدوار، تدور مُغنية ببهجة “تك، تك، تك”.

.

كان ذلك كل ذلك قبل أن تتوقف ساعتي عن العمل، أما الآن وأنا ارتب علبة قديمة مليئة بالساعات المتوقفة، تبدو كمقبرة، بعضها مات بعيدًا عن الآخر، وبعضهم ماتوا سويًا كالمقابر الجماعية، لا لا عليّ الانتهاء بطريقة أكثر لُطف، كان نومهم الأخير في نفس المكان وكأن الساعة كانت تسير بعقرب واحد طوال الوقت.

.

أما الآن في العالم الرقمي، فالساعة تعيش في غرفة مُنفصلة عن الدقائق، لم يعد بينهما أيّ لقاء كما كان يحدث في الساعات الكلاسيكية، لم تعد تلف وتدور كالسابق.

الإعلانات

رأي واحد حول “تلف وتدور

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s