عام فيه يُغاث الناس*

مرّ الوقت، كما يحدث في معظم الحكايات عندما يبدأ كاتبها وهو يقف على أعتاب النهاية، يعرف من مات ويعرف من اصبح سعيدًا  قبل أن يكتب البداية. وإن كان مؤرخًا فهو يكتب يومًا بيوم، لحظة بلحظة، دمعة وضحكة، لكنه لا ينشر أيّ شيء حتى يتأكد من موت كل الأطراف، حتى وإن اضطر أن يُبقي نصوصه إرث يكتشف بعده، ليُقرَر نشره أو تبلعه الأقدار ليبدو غير مفهوم، كُتب بأبجدية لم تعد تستخدم، كأحفورة على جبل.

.

مرّ الوقت، لا بطيئًا ولا سريعًا، مرّ كدورته اليومية، الأسبوعية، الشهرية. حتى اكملت العدة ثلاث أعوام. منذ البدء والكاتب يعلم أن النهاية ستكون قراره الشخصي، قراره في وضع كلمة “تمت” عند أيّ جملة يراها مناسبة، ومضت السنوات حتى قرر أن تكون النقطة الآن بلا سبب جليّ، بلا حدث يزلزل الأحشاء، ولا سلاح مرفوع بالقرب من صدغه يهدده بانهاء حياته، وإنما قرر أن الوقت حان لأن يلملم صفحاته ويرحل.

.

العام الأول [عام السؤال]

كلاعب سيرك يسير فوق حبل، السقوط مميت، والثبات دون حركة مثير للسأم، قفز متسائلًا: “مرحى، أجيد القفز؟”. بقي الحبل مشدود، وظل يقفز في مكانه، وفي كل قفزة كان يظن أنه يبتعد، لكنه يعود للحبل الذي بدا وكأنه أرض مستوية! 

.

بقدمين عاريتين، ويدان ممدودة للأمام وبأعين نصف مغمضة كان يسير ببطء، النور المسلّط نحو عينيه يجعله لا يرى من حوله، ولا يشعر إلا بصلابة الحبل الذي يربطه بالحياة، وأن العرض سينتهي عندما يصل للطرف الآخر، عندما ينتهي الحبل، ويصفق الحضور، وينتهى الطريق ويخفت الضوء حتى يختفى، وعندما ابصر وجد أنه ليس لاعب خفة ولا الحبل حبل، وإنما شاشة الهاتف تومض بجانبه تخبره أنه نام طويلًا وفاته أن يصلي الفجر مع الجماعة.

.

العام الثاني [عام لم تكن الشمس تشرق وحدها]

“صباح الخير” أيتها الحنونة الصبورة، الواقفة لساعات طويلة من أجل كوب شاي وبضع لقمات كان من الممكن أن تعدّ في وقت أقل، لكنها الأمومة تجبرها بلا شعور أن تتدلى من حبل الحياة لتطيل من أعمار الصغار، الصغار الذين لا يكبرون.

.

“صباح الخير” هذه العبارة لا استطيع قولها، تقف متكورة في حلقي عندما استيقظ، كبكاء لا يمكنه الخروج فبدأ بالنمو والتمدد دون أن يتزحزح، ولمن أقولها؟ للزوجة والأطفال الذين لا اعرفهم؟ والذين لا يعلمون بوجودي على أيّ حال! صباحكم جميل ولو أني لم أقلها يومًا حتى لنفسي، من الموجع أن أكون الصباح الذي يرفض أن يشرق، لأنه يعلم أن ظهوره سيلهب وجوههم، التي لا تحتمل حريقًا يُنفَث من وهج لم يعترف حتى اللحظة بأنه صحيح، ولا يمكن أن يتحدث عنه الناس كشروق طبيعي، ولا حتى كسوف يستغفر الناس حدوثه.

واسأل النسوه اللاتي تعرفهن: هل يصح أن تأتي “صباح الخير” من غير الشمس؟ من شمعة مثلًا، عليك أن تشعلها أولًا لتخبرها أن نهار الآخرين قد بدأ؟ 

لكل بيت شمسه التي تقول “صباح الخير”، أما الشمعات المخبأة في أدراج الليل فصباحهن يبدأ عندما يتم احراقه، فعن أيّ صباح بالتحديد يُتمنى فيه الخير؟ 

.

العام الثالث [عام الأسئلة]

في مسابقات الحزن، لا أظن أني  سأحصل على أيّ مركز. وفي مسابقات الحظ كذلك، قدر لي أن اعيش في منطقة هادئة ساكنة، لا أشعر بالقلق ولا التوتر، أشعر بالجوع في مرات متفرقة ولكن الطعام متوفر في كل مكان، لذلك لا مركز لي أيضًا  في مسابقات الجوع.

في المرات التي انتظر فيها النوم ولا يأتي اشعر برغبة في البكاء، وربما بكيت مرة أو بضع مرات، لأضحك في اليوم التالي محاولًا تذكر الأمر الذي اخترعته للبكاء عليه لترات من الدموع، دون أن اتذكر التفاصيل على وجه التحديد، وأعلم أن تأخر موعد النوم هو سبب ذلك، كنت ابدد النوم بلعبة الاسئلة:

  • مالذي يمكن فعله في الغد؟

نفس أعمال اليوم والأمس، إن تراكم الأعمال الجيدة الصغيرة ستصنع لك تلّ ضخم ولوحة مكتملة من الفسيفساء عليك التحلي بالصبر والتكرار الأبدي.

  • مالذي يجب عليك فعله لجعل الآخرين بحال أفضل؟

تركهم في حالهم، إن البهجه كل البهجة أن تتوقف عن مراقبتهم كملاك حارس أو شيطان مترصد، كن بشرًا يرحب بالقادم، ويجيب إن سُئل، ويلتزم الصمت عندما يكون المكان هادئًا.

  • مالخطأ؟

ذلك الذي تخشى أن يكتشفه أيّ أحد، حتى وإن كان ذلك الأحد هو أنت.

  • هل أنت وحيد؟

بل إني مليئ بالبشر ولا أجد فراغًا صغيرًا لنفسي، ربما شعور بالغربة في لحظات ما قبل النوم تلك التي تحثك على القفز في الأفكار بلا تخطيط ولا منطقية، فتشعر بالحيرة إن كنت وحدك تشعر هكذا، لكني لا اظن ذلك، فكل شعور مرّ به المئات قبلي وهذا يبعث الاطمئنان، وإن كان شعورك الوحيد ولم يسبقك إليه أحد؟ هذا أفضل بكثير سيشعرك أنك الشخص المختار، كالأنبياء والأصفياء وهذا مجد لا أظن أني سأركله أو ارفضه.

في مسابقات الحياة لا أظن أني سأفوز ولا ارغب بذلك، سامنح بهجة الانتصار لمن يتمنى ذلك. 

هاتِ يدك.. لماذا لا تمدها؟

للمصافحة؟ أم للسير آخر الدرب؟

في قانون الحياة الذي اعيشه الآن لتمسك في يد أيّ يد، عليك أولًا أن تجتاز الكثير من الحواجز، قفزك للسور أو محاولتك التلصص من النافذة تعني مصافحة عابرة، كالقاء تحية لا أكثر، الطرق التي علينا السير بها معًا، لا تحتاج إلى موافقة واحدة وإنما ألف موافقة، وألف ألف أخرى تحضر مأدبة عشاء تكفي المجرة، وبعد ذلك يمكن أن أسير معكِ درب اللبانة عاري القدمين فالأرض كلها لي حذاء.

.

عام النهاية [ عام بلا كتابة، عام الحوافر] 

عليك أن لا تتأثر بكلام الآخرين، وأن تبني لنفسك سلمًا، تصعده خطوة خطوة، أين أصابعي؟ أين هي تركتها تكتب على لوحة المفاتيح، من الذي استبدلها؟ مرّ وقت طويل لا استطيع الكتابة فيه، فحوافري لا تستطيع الضغط على الأحرف منفرده، وإنما تدوس فوقها وتبدو الآثار غير واضحة وكأنها خطوات لحمير وحشية تُركت منذ زمن بلا عمل في الحقل.

.

.

.

الإعلانات

4 رأي حول “عام فيه يُغاث الناس*

  1. ما أدق وأعمق ما تكتبين يا ايمان. ُتفتح أبواب كثيرة وطرق عديدة، هل يكفي الوقت للمرور بها قبل مقالتك القادمة؟

    إذا كنت أخشى أن يكتشف الخطأ فلماذا أسأل عنه؟ هل علمي بوجود خطأ هو ما دفعني للسؤال؟
    إذا كنت أعلم أن السؤال عن الخطأ سيكشفه فهل حقا أخشى عليه من أن يكشف؟
    لماذا أسأل؟

    الأمل قائم.
    ستنقلب السنوات العجاف.
    تفرقت الأحزان في سنوات واحتشد الغوث في سنة، كأن الفرح لا يكون فرحا الا كاملا ومفاجئا.

    Liked by 1 person

  2. اللهم رب السماوات السبع ورب الأرض، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s