موقعي الآن

Print

وأخيرًا وصلت، كان الطريق طويلًا جدًا، فلماذا استطيع رؤية نقطة البداية وأنا هنا؟ ظننتها ستكون بعيدة، بعيدة ولا اذكر شكلها.

.

في هذا العالم كانت النهايات تصف جنبًا إلى جنب مع البدايات، وعليّ حتى أصل إلى النهاية أن أسير ثم أعود، عرفت فيما بعد أن السير سيكون بعدد سنوات العمر. تسير وتسير وتختار طريقك، أو تسلك آخر.

أعجبني طريق ممتلئ بالشجر، ثم انحدرت بعدها في درب مُتعرج، وجدت شخصًا يعود أدراجه من نفس الطريق فاسأله: ماذا هناك؟ فيرد عليّ أن أعود، على أن أعود. قالها لاهثًا وراكضًا كأرنب أليس في بلاد العجائب. واكملت المسير، وجدت جدارًا ضخم يحجب ضوء الشمس، فعدت أدراجي، وأنا عائدة رأيت صغيرًا فسألني: لماذا عدتِ أدراجك؟ أجبت دون أن انظر إليه: هناك جدار. قال وهو يمسك يدي: “لنمشي بمحاذاته حتى نلتف حوله”. ومشينا معًا، مشينا لست سنوات متواصلة، كانت يدي أكبر من يده، وعندما انتهى الجدار تضاءل حجمي، ورحل الصغير راكضًا نحو درب واسع ممتلئ بالبشر، ببشر لهم نفس حجمه، نفس أحلامه، نفس صوته عندما يضحك.

.

أما أنا فبحثت عن درب آخر، أرضه من الورق، وسماءه من حبر، كانت السماء تهطل طوال الوقت، وكان السائرون هناك يملأون أوعيتهم، ويشربون ويشربون حتى الامتلاء، عندما انتهى الطريق سألت نفسي لماذا كنت أحمل المظلة طوال الوقت؟ ولماذا لم أملأ نفسي بالكلمات التي كانت تهطل من السماء؟ هل علي العودة والسير في الطريق الورقيّ من جديد؟ عندما قررت العودة، كانت خطوتي ثقيلة ثقبت الورقة وهويت في عمق الأرض، هويت في عالم مُظلم، كان النور الوحيد الذي اشعر به، هو صوت يأتي في آخر الحفرة! حينها لم أكن أعلم أن للأصوات ضوء يُهتدى به، كان الارتطام خفيفًا وكأني سقطت فوق هلام يمتص كل ألم، لم استطع المشي، لكن ارخيت السمع، السائرون في هذا الدرب، هم مثلي حاولوا العودة؟ أم أن قدومهم هنا كان من درب آخر، ليتني استطيع سؤالهم، لكن لا يمكن رؤيتهم، إنها أصوات فقط، وربما لم تكن أصوات بشرية، وإنما صدى للاجسام حولي؟

.

كان الاستلقاء على الهلام، من أقصر الطرق وأطولها، لا أعلم كم مضيت من الزمن وأنا هناك، لا أفعل أيّ شيء، حتى أفكاري لم يكن لها وجود، للهلام الذي ارقد فوقه قوة تمتص كل طاقتي، ومشاعري، وحديثي، حتى كدت أن انسي من هي الراقدة فيّ ما اسمها، ومتى ستصل إلى نقطة النهاية التي شاهدتها بوضوح عندما بدأت.

.

الهلام ابتلعني ثم تقيأ كل ما في جوفه دفعه واحدة، وفي نفس اللحظة وجدت نفسي عدت للسطح بجانب الجدار الذي أفلت فيه الصغير يدي، أفرد يدي أمامي كم هي صغيرة، أقلبها، تمامًا كما عهدتها مليئة بالعروق كجذور شجرة، أعيدها إلى  جانبي جسدي، وأُكمل المسير، وجدت جمع غفير لكنهم شخص واحد، كيف يحدث ذلك؟ أرى شخص فلماذا أشعر أنه كثير، ولا يمكن أن يكون فرد؟ كلما حاولت المضيّ قدمًا وجدته حولي، يعرقل أقدامي، رغم أنه لا يمد يده ليفعل ذلك، ولا يصدر أيّ صوت، فكرت بالعودة نحو الجدار فتذكرت احتمالية ابتلاعي والعودة من جديد إلى الهلام، إنه أمر لا أود تجربته من جديد، والطريق حولي ممتد وبعيد، لكن هذا الواحد الكثير لا يُسهل مهمة العبور لي، فماذا افعل؟ سأركض، وركضت، اطلقت ساقاي للريح، وركضت حتى اصبح جسمي يصرخ طالبًا التوقف، لكن ركضت أكثر، حتى شعرت بالطيران قليلًا عن سطح الأرض.

.

حين ابتعدت مايكفي بدأت أسير ببطء، ووجدتهم يقفون كسلسلة غير منقطعة من البشر، وكأنهم ينتظرون دورهم للحصول على شيء لذيذ، فوقفت التقط أنفاسي، وعندما رأيت خلفي وجدت سلسلة من البشر غير منقطة ينتظرون دورهم أيضًا، حاولت الخروج من الطابور لكن لم استطع، الخطوة الوحيدة التي استطيع سيرها هي خطوة واحدة نحو الأمام، إذا تحرك الشخص الذي أمامي فقط، كان الوقت طويلًا، طويلًا، طويلًا.

حاولت الخروج مرارًا، فأنا على أيّ حال، لا انتظر شيئًا، طوابير الحياة لا تعني لي الكثير، أشعر أني تأخرت وعلي فعل أيّ شيء حتى لو كان مُجرد سير.

.

كان في الطريق أمر، يشبه الحلم، لست متأكدة من حدوثه لي أم لأحد غيري، أم أنه كان حلم ،أو سطر في كتاب، هل روادك هذا الشعور؟ لا تدري أحدث ذلك لك، أم لغيرك؟

كان الطريق لزجًا دبقًا يصعب الوقوف فوقه، ويسهل الوقوع عند المشي عليه، يشبه السير فوق جسر ربطت أطرافه بوعود، لا ليست وعود فالوعود يمكن الوفاء بها. جسر ربطت أطرافه بأمنيات مستحيلة، طرفه الأول لو، والطرف الآخر ليت، كان شعورًا بالعجز، والحيرة والارتجاف، هل سأصل إلى هناك؟ هل سأقع؟ هل سيهوي الجسر بي مع الأخشاب سويًا نحو الجحيم؟ لماذا مشيت في طريق كتب في أوله “أيها الغبي، لا يمكن السير وحدك، عليك أن تطير أو تصنع جسرك الخاص”. لماذا كالبلهاء مشيت فوقه، ولماذا لم اطلب النجدة واصرخ؟ ولماذا تظاهرت أن السير فوق جسر لا اعرفه أمر وكأنه جزء من طبيعتي، شتمت نفسي بألفاظ لا اعرف معناها، وسمعت الشاتمين الأغبياء الذين ساروا فوق هذا الجسر أيضًا يقولون عبارات لا اعرف معناها لكنها تحمل خيبة مثلي، ما أكثر البلهاء، ما أكثرهم، ما أكثرنا! أحقًا سرت في ذاك الطريق؟ أم أني أرفض حتى الاعتراف، لذلك اسقطته على آخرين، وتظاهرت بالاقتباس من كتب أخرى لمؤلفين لديهم الشجاعة لحمل الاخطاء، والتباهي بها بين الآخرين، أنهم يملكون الشجاعة، ويملكون الموهبة.

.

اكتب ذلك عندما وصلت أخيرًا كانت نقطة النهاية في انتظاري، جنبا إلى جنب مع نقطة البداية، بل إنهما منذ البدء شيئًا واحد، فلماذا كنتُ أسير؟ ولماذا لم انتظر فقط، فالنتيجة لا اظنها ستختلف.

.

منعطف اجباري

كان هناك نقطة التقاء اجتمع حولها الجميع، لا ليست الموت، وإنما وإنما آه لا اذكر المكان، لكن كان هناك البشر كلهم أو جلّهم، ليس الحزن ولا المآتم ولا حتى صفوف المساجد، كنّا خلق كثير يجمعنا شيء واحد، لا اذكره، لا استطيع ذلك، لا ليست الأحلام، لقد نسيت.

وحتى نذكر شيئًا نسيناه جميعًا، اخبرني  أين موقعك في هذه الحياة؟

Advertisements

رأي واحد حول “موقعي الآن

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s