هف!

،

بعد أن توقفت القذائف فوق رؤوسنا، واصبح الليل هادئ جدًا، استطيع سماع أفكار الشخص الممتد جانبي، يرعبني ذلك، كيف استطيع السماع لهذا الحد؟ هل أصبت بتلوث ما؟ أم أني تجاوزت عالم الأحياء وأعيش حياة أُخرى؟

اغمض عيني يصبح الصوت أكثر وضوحًا، هيّا استيقظ وانظر نحوك، لا أحد! أنت وحدك!

كيف أشعر بهذا الاطمئنان؟ وكأن حدوثه أمر طبيعيًا؟ ليس مُفزع لكنه غريب. أحاول تأمل الشخص ولا استطيع تحديد ملامحه، يضع يده فوق وجهه كما يفعل البشر المبصرين لحجب ضوء الصباح عن أعينهم.

.

إنه من البشر، ليس طائر ولا قطة. وكيف عرفت؟ لا أدري، ربما الأفكار التي تصلني منه، إنه يفكر في العمل وأمور الحياة المُعتادة، يفكر في ازدحام الطريق عند العودة، يردد بلا توقف قائمة المشتريات الاسبوعية: بيض وخبز وحليب وبعض الفاكهة الموسمية.

.

نحن في أيّ يوم الآن؟ وكيف يمكن أن أعرف الأيام؟ وأنا لا أملك ساعة ولا أدري شيئًا عن الأرض التي أقف فوقها سوى أن الحرب انتهت وتوقفت القذائف عن الانهمار. كيف يحسب الوحيد أيامه؟ الوقت يمكن معرفته من الشمس ومُقارنه طول الظلال خلال النهار. لكن الأيام كيف نعرفها؟ سانتظر النداء لصلاة الجمعة ثم ابدأ عدّ الأيام ولن تفلت مني، ماذا لو كان اليوم السبت؟ كيف تكون أيام السبت؟ لماذا لا يفكر الشخص باليوم، أو لماذا لا أحاول ايقاظه من نومه! وهل سيجيب؟ بل هل سيستيقظ؟ لا لن افعل ذلك، من قوانين الحياة التي تعلمتها: “لا توقظ شخصًا نائمًا، ربما كان يرى حلمه المستحيل”.

.

ماليوم ياترى؟ وماهذا الهدوء؟ ولماذا يفكر هذا الشخص في الازدحام وكل ماحوله عكس ذلك. يثني ركبته اليمنى قليلًا للأعلى، بنطاله مثقوب، أهو فقير؟ أم أنه يتابع خط الأزياء الذي يسمح بالملابس الممزقة؟ لكن الذين يفكرون في البيض والخبز والازدحام لا تهمهم هذه الأمور الصغيرة، إذن هو أب، ولماذا ينام في العراء بعيدًا عنهم؟ عليّ أن اوقظه والحلم المستحيل يكمله بين جدران منزله عندما يعود إليهم.

.

أقف مالئة صدري بالهواء كبالون، أحاول الحديث، أفكر بجملة غير مُفزعة: “هممم مرحبًا ياسيد”. لكن صوتي لا يخرج! إن الجملة في رأسي واضحة، لكن لا يخرج صوتي! استنشق الهواء أكثر، لطالما كنتُ جبانة لذلك أحتاج المزيد من الهواء لقول عبارة واحدة: “مرحبًا يا سيد”. ولا يخرج صوتي، ربما فقدت صوتي من صراخ قديم؟ لم أعد أذكره! علي استخدام أصابعي، عليّ نقر ركبته أو كوعه؟ تتملكني ابتسامة غبية افكر في كلمة “نقر” هل أصبحت دجاجة؟ هي وحدها التي تملك المنقار لتلتقط ديدان الأرض.

.

ومابين النقر ومحاولة الحديث الذي لم اتمكن منه، يحرك يده بعيدًا عن وجهه ويمدد ساقيه يغمض عينيه أكثر ويغلقها بأصابعه محاولًا التأكد أنه أخذ كفايته من الاسترخاء ويفكر: “أين أنا؟”. وأنا على الجانب الآخر أحاول أن ارسم ابتسامة غير مفزعة وغير مُتكلفة. ولماذا ابتسم؟ هممم للسؤال عن أيّ أيام الاسبوع الآن؟ منذ متى يسأل الناس بعضهم عن الأيام؟ إنهم يسألون عن الساعة أو عن التاريخ أما اليوم فهو أمر بديهي لا يمكنك السؤال عنه إلا أن كنت تريدين لقب: البلهاء فهذا السؤال مناسب تمامًا، عليك انتظار صلاة الجمعة.

.

يقف الشخص الذي يفكر في الازدحام وقائمة مشترياته ينفض الغبار عن ملابسه يرفع رأسه نحو السماء ثم ينظر نحو ساعته، لا يحرك شفتيه لكن اسمعه يردد: “تأخر الوقت، تأخر الوقت والطريق سيكون مزدحمًا الآن، علي شراء الحليب والبيض والعودة إلى المنزل”. يستدير ويرحل تاركًا المكان، أحاول اللحاق به لاسأل: “ياسيد ياسيد مرحبًا”. لكن صوتي لم يخرج، كما أنه ابتعد عن نظري ولم استطع الوصول إليه، بل لم اتحرك ولا خطوة واحدة!

.

اشعر بـ”نقر” متواصل في قلبي، أحاول تحريك يدي للتأكد من ذلك الشعور إن كان واقعيًا أم أنه من وحي خيالي، فلم أجد يدي في مكانها! يفترض أن تكون منسدلة على جانبي جسدي، أحاول النظر نحو قلبي فالنقر مُستمر، إنه طائر! حمدًا لله ليست دجاجة هه. وماذا يفعل هذا الطائر؟ يحاول قتلي؟ أم يبحث عن ديدان! ولماذا يوجد ديدان فيّ إلا إن كنت ميتة! أو أني: شجرة في طريق يستظل في ظلها النائمون ثم يرحلون”.

مرحبًا أيها الطائر، أين عشك؟

الطائر لا يجيب يحمل حشرة صغيرة من قلبي بين منقاره ويطير بعيدًا،

 فصوتي لا يصل، صوتي مُجرد حفيف.

Advertisements

3 رأي حول “هف!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s