مُقَابلة مُقبِلة

المكان هادئ استطيع سماع أفكاري، عليّ أن أفكر بلا شيء، عليّ تجاوز هذا المكان والعودة حيث أتيت، لا أدري مالذي سيقابلني بعد قليل. بين يدي رقم يبدو كرقم انتظار 91، أقلب الورقة رأسًا على عقب 16، أيهما رقمي؟ بينهما ثمانين لا يمكن الانتظار هذا العدد، إلا إن كان رقمًا للموت فهل استطيع إضافة عِدّة أصفار؟

.

لست برفقة أحد، هناك أشخاص يحملون ورقة مثلي. لا أحد برفقه الآخر، إنهم وحيدون، كما أنهم لا يرغبون في قتل الانتظار بالأحاديث الجانبية، ولا حتى سؤال بعضهم عن الأرقام التي بين أيديهم.

.

في الأعلى شاشة تومض، ومع كل ومضة يتناقص عدد الأفراد دون زيادة، لا يعود أحد، لا أفراد جدد. وأنا أحاول إيقاف أفكاري ووصف الأشياء حولي، هذه جدران، لا نوافذ في المكان، فمن أين يأتي هذا الضوء؟ من الشاشة؟ أو من وجوههم لذلك لا أعرف لهم ملامح؟ وأين الباب الذي دخلت منه؟ أم لا باب في هذا المكان؟ لا أذكر كيف دخلت إلى هنا، والشاشة تومض برقم ليس الرقم الذي بيدي لكن لا أعرف ماهو، رغم أنها لغة اعرفها! مالذي يحدث لي؟ أعرف هذا الرقم ومع ذلك لا أدري ما اسمه.

.

أين نحن؟ هل يمر كل البشر في تسلسل مثل هذا! أهي مقابلة وظيفية؟ سأُظهر مزيد من تقبل الأوامر، وأوافق على العقد السنوي دون أيّ استفسار. ماذا لو لم تكن مقابلة لوظيفة وإنما مقابلة لأمر آخر، تحقيق مثلًا! لستُ مجرمة، ولم أشهد أيّ جريمة يعاقب عليها القانون، سوى نسياني وضع ماء جديد لقطي بشكل يوميّ، لكنه يطلب الماء عندما أنسى، وهذه ليست جريمة وإنما أمر بسيط، أهو بسيط؟

.

ربما أُسأل عن أحلامي وأمنياتي، هل سيتم تحقيقها؟ أم أنه مجرد فضول؟ كيف استنتجت أنهم مجموعة؟ وأن لديهم أيّ سؤال؟ هل يعرفون أفكاري الآن؟ وأن الرقم الذي أحمله هو عدد الأفكار التي أحملها. ازدرد ريقي صوته عالي، أغمض عيني تصدر أجفاني صوت رفرفه تشبه أجنحة العصافير، أشعر بالخوف، لماذا يبدأ الخوف من المعدة؟ يبدأ الايقاع بالارتفاع، قرع طبول، قلبي يضخ دمًا أكثر من المعتاد، أحاول أن أضع رجلًا فوق الأخرى، إن كان خوفي غير ظاهر عليّ الحفاظ على رباطة جأشي. ماهذا؟ أين أقدامي؟ تهوي يدي نحو فمي محاولة كتم صرخة المفاجأة، منذ متى وأقدامي ليست في مكانها؟ هل أنا هنا لاسترداد خطواتي؟ والورقة تخبرني عدد الخطوات المتبقية لي على الأرض؟

.

عليّ أن ابكي؟ ولماذا البكاء!

لأني لا أعرف أين قدميّ فكيف استطيع وضع ساق على الأخرى؟ بل عليّ البكاء لأني في مكان لا أعرفه، ولا اذكر متى حدث هذا الفقد. هل يختبرون مدى تجلّدي لأني تجزأت إلى قطع ولم أجزع. لا بأس سأترك أمر وضع ساق على الأخرى عندما أعود، وهل سأعود؟

الورقة في يدي تعني الأيام المتبقية لي، وفي كل تناقص تعني أني سأتلاشى، تومض الشاشة برقم جديد اعرف شكله ولا أدري كيف ينطق، انظر للورقة أقلبها من كل الجهات إنها بيضاء اختفى الرقم المكتوب، الورقة بيضاء، بدأت أبكي وشعرت أني أغرق، أغرق حرفيًا إن الدمع لا يخرج، رئتي تمتلئ، عيني من الخارج تبدو طبيعية وكأني مُتماسكة. أرجوكم لينقذني أحدكم لا استطيع المشي لا استطيع لبكاء أنا بلا رقم ولا أدري متى سيحين موعد المُقابلة، ترتخي يدي وتسقط الورقة ولا أذكر مالذي حدث بعد ذلك.

الإعلانات

3 رأي حول “مُقَابلة مُقبِلة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s