كان بلا مكان

1514401691119

.

لستُ هاوية لرواية القصة، يمكن أن اختصر أحداث عُمر كامل بجملة واحدة، وأن ابتلع الأحداث كلّها، نسيانًا وعلى الأغلب أرى أنها غير مهمة. كما أني لا أريد إشعارك بالملل. لطالما سمعت جملة كـ : “ما أكثر كلامه، ليته يسكت، إنه يتحدث حتى في نومه”. فأحاول أن اختصر، لا أريد أن أكون الشخص المتحدث الذي ينتظر الآخرين دورهم في الحديث ولا يأتي. ابتلع كل شيء، حتى مع الكتابة يحدث أن أكتب نصًا من ألف كلمة وقبل النشر أحذف سطرًا وراء الآخر، مفكرة مالجدوى من ذلك؟ عليّ الاكتفاء بالعنوان، يبدو لي أنه يختصر كل شيء، لماذا أُكثر من الكلمات؟ بل لماذا اتحدث؟ كل ما سأقوله قيل، وتم اجتراره آلاف المرات.

.

بالرغم من ذلك ها أنا أروي القصة التي لم أعشها، ولكنها تطرق رأسي طوال الوقت، صغيرة الحجم مُتكورة تأخذ شكل الدماغ، خرجت من عينيّ ذات صباح، استيقظت برأس خفيف، أو ربما فارغ. كانت كسلحفاة تحملق فيّ منتظرة أيّ إشارة تدل أني عُدت إلى الحياة وانطلقت في حديثها، كيف يبدو هذا العقل مخلوق مُستقلّ ولا علاقة له ببقيتك. رفعت يدها قائلة: لا أسئلة حتى انتهي من رواية قصتي، وعليك كتابتها ونشرها، ولا يهم إن تمت قراءتها أو ابتلعتها شبكة الانترنت التي تُنضِج الأشياء قبل أوانها، وتسمح للصغار أن يكبروا بلا استئذان من ذويهم.

.

استدار الجسم السلحفائي الذي يشبه العقل كثيرًا بدا وكأنه يتحدث في الهاتف، أو يفكر بصوت مرتفع:

“هل أحبك أحد؟ أيّ أحد؟ وهل حصدت مديح على أمر ليس لك يد فيه؟ سوى امتلاكك له مع ميلادك؟ وهل سخر أحد من حرب بلادك مع جاراتها؟ وكأنك أنتِ من يجمع الحطب أو ينفخ النار؟ هذا كله يحدث في هذه الفوهه، الكل يرمي بأفكاره دون أن يهتم إن كانت مؤثرة أو أنها مُجرد زفرة لن يستنشقها من جديد.

لذلك عليك كتابة حكايتي بكل اسقاطاتها، دون أيّ شعور أو مُحاسبة، هناك اقتباس جميل ربما يخدمني إن استخدمته الآن: “علينا أن نفعل شيئًا نندم عليه في وقت آخر*”. آه لا أظن أن اختياري موفقًا! عليك تدقيق كل شيء والتأكد أنه نظيف ونقيّ، ولكن عليك نشره دون أن تبتري أجزاءه إلى قطع غير مفهومة”. تنظر هذه المرة نحوي  متكورة على الكرسي قائلة:

“أنا فكرة واحدة، ولدت وأولد كل يوم في شكل مُختلف، ووصف مُغاير، أظن أن لي إخوة لا أعلم على وجه التحديد من هم، إنهم قريبون جدًا، ولا أعرف صلتي الحقيقيّة بهم. أحاول ترتيب الطريق الذي يمرون به كل يوم، أعرف الطعام الذي يفضلون، ولكني سيئة جدًا في اختيار الهدايا الملائمة، وأخجل من السؤال، لأن لا إجابة ستأتي على أي حال، فمن يُحب أن يتحدث مع فكرة تتغير كل يوم؟”.

.

“هل لدي أصدقاء؟ هممم نعم ولا، أعني البعض يمضي الوقت الجميل بتبادل الأفكار كالملابس والأحذية، ولكنك حين تعود إلى حِصنك تعلم أنك ما تزال فكرة، وأن اللقاء الذي حدث مع الأصدقاء تحوّل إلى ذكريات، وأنا لا أجيد التعامل مع هذا النوع الضعيف من الزمن الذي لم يعد ملموسًا ولا محسوسًا، مُجرد تكرار لحظة لا تأتي”.

.

“هل لدي أطفال؟ أعرف الكثير عنهم، قرأت ذلك، ولكن لا أتمنى أن أحصل على فكرة تحمل اسمي أو أن اهتم برعايتها كنبتة أو حيوان أليف. يمكنك حذف هذا السطر إن شئت فالأفكار عندما تولد ستكون أطفالنا لا مُحال، حديثي هنا غير منطقي، وأنا اهتم بالمنطق. لذلك أرجوك عندما تنتهي قصتي، لا تتظاهري أنكِ استيقظت من النوم لأبدو وكأني حلم، أو كابوس، اجعلي من حضوري واقع، كوقوفي الآن على كرسيك انظري يمكنني الدوران والتكور من جديد”.

.

“هل أرغب بالسفر؟ الأفكار لا يمكنها البقاء في مكان واحد إنها في رحلة منذ ميلادها. المُضحك هو وجهات السفر التي لا نعرف أين تأخذنا في كل مرة، إلى ثقب يبتلع الأفكار بضحكة أو صمت مُتجاهل أو دفنها في مهدها، إن الرحلات التي عشتها تكلّف الكثير من العمر، أعلم أن البقاء بلا حراك يكلفك عمرك”.

.

“هل اخبرك أمر يشغلني؟ بالطبع ساخبرك حتى وإن تظاهرت باللا اهتمام كالمعتاد، اعتادت عينيّ على العريّ وهذا وجع للقلب، صحيح أنه لا مكان للقلب في تلافيفي ولكن هناك ما يُشعرني بالسوء. على شبكة الانترنت تسقط عينيّ للحظات على جثث متفحمة وأوصال بشرية مقطعة، كانت تثير فيّ الغثيان، وتزيد من نبضي، أراها حتى عندما أغمض عيني، ومع مرور الزمن اصبحت انظر إليها دون الشعور القديم! وهذا يخيفني مالذي حدث لي؟ ثم اكمل ذلك في شريط الصور المتتابعة للوحات رسامين يرسمون العريّ بلا تحفظ، الكثير من اللحم المكدس في ذاكرتي، وهذا يضعني في حيرة من أمري، مالذي حدث لي، انظر للوحة وكأنها ألوان، وانظر إلى الأموات في ذات الوقت بلا ذلك الشعور المفزع الذي يخطف النوم من عيني، ويظهر لي في لحظات الرخاء! ماذا لو كنت مكانهم! لن أشعر، أعني ماشعور من سيمر عليّ كلوحة أو بلا روح؟ لا معنى محدد، فالكثير لهم رؤية مختلفة”.

.

لا يبدو كلامي كقصة يمكنك روايتها! ولا يبدو أيضًا أنك ستتذكرين كل ماقلته منذ لحظات، لكن أرجو أن أجدك عندما ابحث عنك، فما اسمك؟ أو ماذا اكتب في محرك البحث عندما أرغب الوصول إليك؟

Advertisements

رأي واحد حول “كان بلا مكان

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s