999 اطلب النجدة

7A666450-2CD7-454B-B292-F9A18C52B560

.

أُرتب ألف قطعة للمرة الرابعة، أوه يعني أربع آلاف قطعة؟ تبدو وكأنها أبدية، بلا ملل، أمسك القطعة تلو الأخرى أقلّبها بين يدي، أنظر إلى ألوانها وأتأمل أطرافها لعلها تشير إلى غيمة أو طرف ثوب، ماذا لو أنها طرف أذن الكلب الأسود الراقد عند مدخل الباب المظلم؟ انتصار صغير يقرص قلبي عندما تكون القطعة صحيحة، ثم أسأل نفسي وكيف عرفت أنها أذنه؟ لا أدري مُجرد إحساس.

.

بقيّ من الألف خمسين أو ستين قطعة على أبعد تقدير، وكأنها عُمر شخص ما، في كل قطعة سأضعها الآن سينقص من عمره عام، تبدو القطع صعبة، الكثير من الفراغ أعلم أنها السماء، الكثير من اللون الأخضر أعلم أنها الأغصان لكنها متشابهه، عليّ تجربة كل قطعة مرّة بعد أخرى، ليتها كطرف الثوب ورأس الدجاج أو حتى مجموعة الأزهار، ويتناقص العمر قطعة قطعة حتى يفنى.

.

أفرد ظهري وأعود لأحنيه من جديد ممسكة القطعة التي أظنها جزء من النافذة لكنها ليست كذلك، وفي الغرفة صوت آخر غير صوت أفكاري، صوت القارئ الذي لا أعرفه، بلغة فصحى مخلوطة بلهجة محلية يقرأ من كتاب، أُمسك الكثير من الجُمل وأرددها خلفه وكأني أتعلم لغة جديدة، إن أفكاره عن القلق والأحلام جميلة ليتها أفكاري، أعني ليتني اكتب مثله. أحاول مرارًا أن أدور على النوافذ في الصورة محاولة أن تكون القطعة في يدي هي القطعة الملائمة لكنها ليست نافذة، عليّ الاستسلام! لكنها تشبه النافذة، يأتي الصوت الرخيم قائلًا: “لعبة الصبر، التي يتلهى بها الإنسان القلق عن النظر إلى داخل نفسه*“.

.

اجيبه أنظر نفسي لساعات طويلة، وأُرافقني طوال الوقت، لا يُقلقني صمت الطرف الآخر، في داخلي بحيرة هدوء أغوص داخلها، وبيدي قطعة لا أدري لماذا لا تكون للنافذة! انظر للرجل المنحني نحو السيدة يسكب لها الحليب، أوه يشبه معطفه؟ أضع القطعة، فعلًا إنها لمعطف الرجل، أمسك قطعة أخرى بعد أن أفرد ظهري، مؤكدة لنفسي أني أحب رفقتي ولا يقلقني الوقت الطويل الصامت الذي يملأه المؤلف بأحلامه.

.

عليّ التوقف الآن، ولكن الدقيقة تجرّ أختها تمسكها مرة بعد أخرى، وينتصف الليل وأنا أحملق في القطع، انتهى الكتاب وبدأت اسمع أصوات بعيدة في الشارع، وصوت تنبيهات البريد، ورسائل عشوائية من الهاتف، شارفت اللوحة أن تكتمل، هيّا إلى النوم، يمكن اكمالها في الغد، كما أن أطرافي اصبحت قوالب جليدية، تدفعني أقدامي للابتعاد بحثًا عن مزيد من الدفء كغطاء وسرير، أقف وانظر إلى من في اللوحة، إنهم جامدون لا روح فيهم، لكنهم يبدون وكأنهم متعبون من البقاء طويلًا بلا عمل، سوى الانتظار كفُتات سيجمع في آخر المطاف داخل علبة صغيرة وتودع في المستودع.

.

وانتهيت منها، رغم أنها لم تكتمل، هناك قطعة هربت، ربما أثناء نومي؟ أو ذهبت لمكان ما لتكمل نقصه، كم هي ناقصة تلك التي تكمل الآخرين سواها. فراغ واحد يجعل الألف قطعة أقلّ، ما اسمها إذن؟ ألف قطعة إلا قطعة، هه أيشبه ذلك ألف ليلة وليلة؟ إن شهرزاد عاشت يومين  إضافيين وهي تحكي بلا توقف محاولة أن يطيل سيدها بقاءها المرهون بالحكايا التي تتوالد كقوارض، قطع لوحتي أقل بقطعتين، ثم أنه لا يهدد عنقي أيّ سيف سوى الوقت، كما أن الفراغ الذي تخلفه القطعة الهاربة يشبه نافذة تدخل الغبار والبرد إلى قلبي، فراغ مُزعج، لا يمكن التظاهر بأنه لم يحدث، ولا يمكن تجاهل تماسك البقية الباقية، الأكثرية الساحقة، تلك الهاربة اللئيمة لن أغفر لها عندما تعود، ولن اسمح لها بالعودة، مكانها الفارغ افضل بكثير من عودتها من رحلة المجهول.

.

بلا مناسبة منذ أن انهيت مذكرات العام المُنصرم، قررت التوقفت عن الكتابة، ولا اعلم مالذي افعله الآن، ولا ادري على وجه التحديد إن كنت أنا القطعة الهاربة من لوحتي وأحاول ارسال هذا النص! متظاهرة أن الكمال لا يمكن الحصول عليه، والعهود يصعب الوفاء بها، وأنا هنا الآن لاخبركم إن كنتم تبحثون عن حياة فلماذا تقرأون هذا السطر؟ ابحثوا عن أمر أهمّ.

الإعلانات

6 رأي حول “999 اطلب النجدة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s