القراءة في [أدب السجون] .. عندما تُغلق الكتاب فلا تعود نفس الشخص .. 

Gavel-With-Law-Book-PNG-Image

.

.

كانت البداية مع القوقعة اذكر أني قلت هي الصفحات الأولى فقط. ولا أعلم كيف تسمّرت ولم يرمش لي جفن حتى وصلت السطر الأخير. وأنا ما أزال على وضعية جلوس واحدة بالقرب من باب الغرفة كقطة تنتظر أحدهم أن يفتح لها الباب. باب الحياة. بعد القوقعة تلاها ثلاث أو أربع قراءات عن أدب السجون. اختلفت نظرتي للأفعال اليومية التي أقوم بها. أهو تقدير لأمورٍ لم أُفكر يوماً أني قد أفقدها؟ أو استشعار قيمة ثمينة لم أبذل جهد في استمرارها أو حتى الحصول عليها؟

.

  • كمتعة الاستحمام بالماء الدافئ في الشتاء، بل وحتى في صباحات الصيف، إنه حضن من نظافة لا يفصلني عنه إلا بضع خطوات، في كل مرة أقف تحت الماء دون أن استشعر ثمن القطرات المُتساقطة، وإنما ابحث عن فكرة تصلح للكتابة.

.

  • أنواع الطعام التي نأكلها في الوجبة الواحدة، والتي لا تُكرر يومياً حتى لا نملّها. نقول: “الحمدلله”. لكن بعد أدب السجون أرددها بشعور مُختلف “الحمدلله” ممزوجة بالرهبة من أن النعم لا تدوم. وبالامتنان لأني ما أزال استلذ بالطعم.

.

  • الصلاة على سجادة من الورود، لا يفصلني عن رفع يدي للتكبير إلا وقت الآذان.

.

  • الحديث في أي وقت مع أسرتي وأصدقائي بل وحتى معرفة أخبار هذا العالم. رغم أني لا اسأل كثيراً ومع ذلك أحصل على الرد سريعاً إن أردت ذلك.

.

  • لا يفصلني عن السماء إلا قرار بأن ارفع رأسي للأعلى من نافذة الغرفة أو الخروج إلى حديقة المنزل. يمكن أن أرى زرقتها الدائمة في الصيف، وغيومها المتناثرة في الشتاء. وأن نتحدث عن أحوال الطقس ونتذمر من الغبار الذي يزورنا دائماً. إنها أمور تثير في داخلي زوبعة من الامتنان، فالحديث عن أحوال الطقس أحد أشكال الرفاهية.

.

  • المرايا المُعلقة في كل مكان. وتعليقنا الساخر لا نحب هذه المرآة إنها تجعلنا أضخم، أعرض، أبشع. أما المرايا التي ترانا أولاً في كل صباح فهي الرفيقة الجميلة التي تستقبل أحلامنا ولا تفسرها. إنها تعكس شعورنا دون أن تخبر الآخرين عنه. إنها نحن ولم نفكر يوماً أنه في السجون لا وجود لانعكاس للشخص إلا في ذاكرته.

.

  • النوم على سرير أبيض ووسادتين. في كل مرة استيقظ أجد أحدهما سقطت أرضاً وكأنها حاولت الهرب أو أني القيت بها لأنها حمولة زائدة في الحلم؟ قبل أن تبتلع ذاكرتي الأحداث فلا اذكر منها شيء.

.

  • الملابس الكثيرة بأنسجة مُختلفة وألوان متعددة. بعضها أخجل من تكرارها لأنهم شاهدوها سابقاً. أولئك الذين استطيع رؤيتهم عندما نقرر ذلك. كل مايفصلنا عن بعض هو فستان جديد. أما حضوري فهو أساسي ولا مجال لافتقادي، أنا التي لا أغيب عن المناسبات، لأني أحبها واستطيع حضورها.

.

.

والسؤال الحاضر في كل مرة أُغلق فيها دفتيّ الكتاب وتنتهي الرحلة: إن كانت الدنيا سجن لأنها صغيرة فكيف بالسجن في سجنها؟


.
.
روايات في أدب السجون:
الإعلانات

18 thoughts on “القراءة في [أدب السجون] .. عندما تُغلق الكتاب فلا تعود نفس الشخص .. 

  1. بالنسبة لي أدب السجون وأدب الحروب هم أصدق صنوف الدب وأرقاها مكانة انسانية، لأنه يعكس حقيقة وجود الانسان، والمغزى من حياته

    Liked by 1 person

    1. الله يا طهر أدب الرسائل رقيق ولطيف أحبه
      قريت: الفقراء لديسكوفيستي
      ورسائل غسان كنفاني لغادة
      ورسائل إلى فاطمة.

      إعجاب

  2. أهنئك على قراءتك لخمس روايات في أدب السجون.
    إنه حقا إنجاز عظيم. فأنا لم أستطع إكمال رواية واحدة. و كم تلكيت فيها. أتركها أياما طوال ثم أعود إليها من جديد بقلب معصور. إلى أن قررت التوقف عن القراءة في أدب السجون كله.

    Liked by 1 person

    1. لو قرأتها وحيدة لمت كمدا وحزنا قبل أن أكملها
      في الحقيقة يامريم كنت اقرأ برفقة صديقتي التي لم تكن تعرف شيء مثلي عن هذا العالم اكتشفناه معا وبكيناه سويا.

      واتعلمين ماذا فعلنا ايضا؟ بحثنا عن المقابلات التلفزيونية مع السجناء
      الذين كتبوا الرواية كان المذيع يبكي من حديثهم
      أما هم لم يفعلوا ذلك.

      لماذا اكتب لك ذلك؟ في الحقيقة لست شجاعة لماذا احاول اثبات ذلك الآن؟

      Liked by 1 person

  3. لعلّ ما ذكرته من أننا نستشعر الرفاهية التي فيها و نخرج من ضيق التذمر لسعة الحمد والشكر .. هو ما جعلني لا أترك هذا الأدب الذي يُؤدبي !
    كانت آخر رواية قرأتها منذ حوالي أسبوعين هي ( عربة المجانين )
    فكرة أنك تدخل السجن في عمر العشرين ولا تخرج إلَّا في سن الأربعين ولا تكاد استشعرت حضن الأم وحنانها ورأفة الأب ونعمة الأخوّة .. بل لم تعرف الحياة ماهي ولا كيف هي ؛ رهيب رهيب !
    صدقني حتى لما تمرّ أمي من بعيد أتأملُّها .. أدبٌ يؤدبنا كيف نعيش !
    أعتذر عن الإطالة 🙂

    Liked by 1 person

    1. أدبٌ يؤدبنا كيف نعيش !*
      فعلاً
      والله يا احلام حتى الماء اشربه واستلذ لطعمه.

      شكرا على “عربة المجانين”
      وضعتها في قائمة القراءة 🌹.

      Liked by 1 person

  4. حقيقة يا ايمان القراءة في أدب السجون غير من طريقتي مع المعطيات من حولي بشكل جدا كبير ..رواية سجينة طهران متحمسة لقراءتها ويارب تكون قد الحماس ..*صديقة أدب السجون😅

    Liked by 1 person

  5. تذكرت وأنا اقرأ مقالتك روايات كثيرة غيرت فينا مثل ما ذكرتِ طريقة استشعارنا للنعم في حياتنا من تلك البسيطة التي كانت اعتيادية بالنسبة لنا إلى أكبرها ، المشكلة تقريبا هي الاعتياد على وجودها وقراءات من هذا النوع تمسح غبار الاعتيادية هذه عن النعم الأكثر وجودًا في حياتنا اليومية ، يعطيك العافية يا إيمان. ❤

    Liked by 1 person

    1. المشكلة تقريبا هي الاعتياد على وجودها*

      فعلاً إنه الاعتياد 💔

      يسعدني تواجدك وقراءتك يا أثير ❤.

      إعجاب

اترك رداً على Lama إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s