حكاية بعد النوم..

tumblr_np0jxpiPCK1qbd8dyo1_500

 

لطالما أحببت القصص الغير مكتملة التي كانت تنطلق من المذياع عندما نذهب للمدرسة. كنت اتمنى أن يطول الطريق لأعرف ما الذي حدث للأرنب الذي نام تحت الشجرة؟ وماذا فعل الذئب بعد أن اقنع الخراف الصغار بفتح الباب رغم تحذيرات والدتهم؟ كنت أدخل المدرسة وذهني مشغول باكمال الأحداث كما أريد لا كما حدث بالفعل.  إن القصص تُحكى طوال اليوم وتحدث لنا طوال الوقت. هل جميع القصص لا بد لها أن تنتهي. “أيجب عليها أن تنتهي؟”

رسمت أو بالأحرى نسجت لكل الجمادات حولي حياة قبل أن تصل إليّ. لا أحد يعلم على وجه التحديد كيف كان طريق رحلتها قبل أن تصل إلى هنا. قطعة الأثاث وخشب الباب وصفحة الاعلانات المُلقاة بطريقة مهمله في أقصى الغرفة. كانت حياتهم حافلة بالأحداث ولهم الكثير من الأصدقاء الذين يشبهونهم، كطلاب مدرسة أو زملاء ثكنة عسكرية إلا انهم بطريقة ما انتهى بهم الأمر إلى هذا السكون ومراقبة تفاصيل منزلنا.

أنا الآن في حالة المُتأهب للكتابة. أريد أن أكتب قصة حقيقية عن الأشخاص الذين قابلتهم فيما مضى. ولكن وقعت في حيرة بعض الشيء. في ذهني العشرات من القصص المُتراكمة. لأشخاص لم يعد بإمكاني رؤيتهم. أيعتبر نقض للعهد إن جعلت منهم مادة للكتابة؟ هل سيغضبهم تعريتي للتفاصيل الصغيرة التي قالوها في لحظة صفاء ولو علموا أني سأكتبها الآن.. لشعروا بالغيض وربما بالاحراج؟

أيعقل أن يكون أحد العابرين هنا.. أحد أطراف حكاية اليوم؟

بماذا ابدأ؟ بقصص الموت و العودة للحياة؟ ليس من اللائق أن أتذكر قصص أصدقائي الجنائزية. تلك التي حملوها بين أيديهم على شكل صور في محافظهم أو شهادة وفاة كعذر للغياب. لا يمكن أن أكتب عن دموعهم التي ذرفوها لحظة فقد. ليس بالأمر الجيد أن يرى أصدقائي أني وجدت بنفسي القدرة على كتابة أحزانهم. وأن تربيتي على أكتافهم كان اعتذار لما سأفعله في المستقبل. لا لن أفعل ذلك.

هل أكتب عن أسرارهم. الأسرار الصغيرة الغير مؤذية؟ عن المرات التي قاموا باستبدال علب العصير الباردة في الثلاجة بأخرى ساخنة؟ أسرار كتلك لا تؤذي أحد، لدّي منها الكثير.

ربما سأكتب عن صديقتي الشمالية التي كانت صديقة تعطي ولا تأخذ، تسأل ولا تغيب، تغمر بالدعاء والكثير من الفضفضات. لم تعطني يوما فرصة البحث والسؤال. كانت تعتذر عند تأخرها وكنت أعذرها. وطال غيابها أكثر من المعتاد ثم عادت لتسأل عن حالي واعتذرت قائلة أنها أصيبت بجلطة ولم ترغب بإفزاعي وأنها بأفضل حال الآن.

ارعبني قليلا وضعها الصحي رغم أنها أخبرتني أنها في صحة جيدة. ثم عادت للغياب من جديد. فكرة الوصول لها شبه مستحيلة، لا أصدقاء مشتركين، لا أعرف عنوانها على وجه التحديد، وهاتفها مُغلق. ولا تملك أيّ حساب باسمها الصريح في شبكات التواصل الاجتماعي. حاولت اكمال القصة كما كنت أفعل مع قصص المذياع القديمة لكن لم استطع. أحاول أن أكون واقعية وابحث عن أحداث حقيقيّة. أحاول تذكر اسمها الرباعي واكتبه في محرك البحث لا يوجد سوى مشاريعها الفيزيائية وخطابات الشكر التي تعرضها جهة الاشراف المسؤولة عنها. لماذا لا يكتبون في الخبر أنها بصحة جيدة؟ لماذا لا يُكتب في التعليقات السبب الذي لم يعد هاتفها “موجود في الخدمة”. أعود لـ أتأكد من تاريخ الخبر، أوه تاريخ قديم قبل خمس سنوات وحدثتني كثيرا عنه وباركت لها نجاحها.

أعود فأبحث لاشيء سوى مشروعها الفيزيائي أحاول تأمل الصور ربما تُرك خيط فامسكه ليوصلني إليها وأرد دين سؤالها عني طوال الـ ١٥ عام الماضية. مازلت في أول ١٥ دقيقة بحث، ومع ذلك أشعر باليأس. اني ابحث عن إبره في كومة قش. إلا أنه لا قش ولا ابره وانما بحث سرمدي لا يؤدي إلى نتيجة.

وكمحاوله طفولية بدأت بالتفكير أيوجد أحد اعرفه يعيش في الشمال؟  ليطرق أبواب الجيران لعل جدار صديقتي أحدها.

– صديقتك وين تعيش؟

-في الشمال.

-بأي مدينة؟

-كانت تقول في مدينتهم مسجد تاريخي.

-ايمان السعودية كلها مساجد.

كم هو مفزع البحث الذي لا يؤدي إلى نتيجة. والذكريات التي تتزاحم في عقلك لترتب لك تفاصيل حزينة وسوداوية كتسلسل منطقي. مع كل الرفض واغلاق عيني لانكار ذلك إلا أن الصور تصبح أكثر وضوح. ” أعوذ بالله من الشيطان”.

قبل عشرة أعوام اتصلت بها  -كأمر نادر الحدوث- لأخبرها عن حلم غريب. رأيت في الحلم العشرات من النساء الصامتات وهي من بينهم أحدثها ولا ترد. انتهيت من  ثرثرتي عن الحلم واغلقت سماعة الهاتف لأني كنت على عجلة من أمري. كنت في حفلة خارج المنزل إلا أن رغبتي بالاطمئنان جعلتني اسارع بالاتصال كفكرة غير قابلة للتأجيل حتى أعود واكون في مكان أقل صخب. وبعد دقائق من انهائي للمكالمة. وصلتني رسالة نصية منها:

إيمان ماقدرت اتكلم, أمي انتقلت إلى رحمه الله. واليوم آخر آيام العزا.

عقلي قام ببعثره الذكريات بدون أي ترتيب. كيف لصداقة بهذا العمر يصعب الوصول إليها؟ أليس من المفترض بعد مرور العمر أن تكون جذورنا ضاربة في الأعماق؟ ماهذا العمق الذي لا يجعلني أعرف طريقة للاطمئنان؟  لماذا لم اسألها عن اسم شارعهم ولوحة سيارتهم ماهذا الشمال الذي اتسع فجأة ولا يمكن حصره بنظرة سريعة؟

لماذا نختار اصدقاء تبعدهم مئات الكيلومترات؟ لا يمكن أن نقطعها مشيا على الأقدام لنطمئن. في المستقبل سأختار أصدقائي من نادي الحي وسأطلب منهم وضع جهاز تتبع في حال ابتعادهم يتلاشون من ذاكرتي كشهاب حاول اختراق الغلاف الجوّي فتحول لرماد.

 

وكنهايات القصص الخيالية يعيش الجميع بسعادة وهناء، الحمدلله صديقتي “بخير”.

Advertisements

29 رأي حول “حكاية بعد النوم..

  1. الحمدلله أنها بخير 🌹
    جميل ان تكون الصداقه بهذا العمق .
    أسال الله أن يديم عليكم هذه المحبه ولايحرمك من وصلها لك .
    أخذني القلق عليها وارتحت عندما علمت انها بخير ❤️

    Liked by 1 person

      1. قرأتها مرتين حتى الآن ، ما كتبتيه يرقى إلى حد الفلسفه التي تجمع الجميع تحت سقفها ..
        أتمنى لو تكتبين تدوينات مشابهه لها ، تحمل معاني مشتركه تلامس الكل ( أعتقد ذلك ) ، لإنها لامست الكثير من ذكرياتي ، الكثير من الأصدقاء الذين فقدتهم ..
        ابدعتي في تركيب التدوينه .. 🌹

        Liked by 1 person

  2. تدوينة جميلة تعيد الذكريات لكل صديقاتي .. ربما أكثر مايمر على ذاكرتي الآن صديقاتي السوريات الآتي سافرن فور تخرجنا من الثانوية ماذا حدث لهم الآن ؟ أتمنى أنهم وجدوا طريقة ما للعودة للعيش هنا في السعودية أو في أي مكان آمن .
    أنا أأمن أن الصداقات مهما كانت بعيدة – في المكان إلا أنها تبقى حية في الذاكرة .
    شكرا إيمان ❤️

    Liked by 1 person

  3. بمجر تاملي في موضوعك، قفز الى ذاكرتي حديث الحبيب المصطفى عن السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل الا ظله، فكانما رايت في صداقتكما و حبكما و لهفتكما، نموذج عن ذلك الحب المرتبط بحب الله عز و جل لا تشوبه مصلحة او فائدة دنيوية، حتى انني لم استطع ان اميز ايهما اشد حبا و وفاءا للاخر، الذي كان يسال و يطمئن و يظهر حبه العميق، ام الذي انخلع قلبه و ارتبكت فرائسه، بمجرد شعوره بفقدان تلك المحبة..دائما متميزة بمواضيعك..

    Liked by 1 person

  4. كل ماقرأت لك تدوينه أقول ماأجملك ياإيمان رررائعه
    وبالأمس قرأت تدوينتك وقلت هذه الاروع والاجمل واعرف اني سأقول ذات الكلام على ماسوف ياتي
    واعرف أن ايمان لديها المزيد في جعبتها وقد حباها الله أنامل تغزل بها الكلمات فتأسر عين القارئ .

    ‎   (ليطرق أبواب الجيران لعل جدار صديقتي أحده)
    ‎ماأجمل هذا السطر اسرني عمق معانيه
    كلمات قليله ولكنه عميق يحوي خليط مشاعرك الخوف والقلق والحب لصديقة العمر .

    Liked by 1 person

  5. جميله جدا. عايشت صداقات بعيده كثيره جدا بحكم الابتعاث و تعرفي على اناس من مختلف الدول. ماتت معظم او حتى كل هذه الصداقات. اعرف الان صديقه رائعه، كم هي قريبه لكن في نفس الوقت …. بعيده جدا … محزن….

    Liked by 1 person

    1. فيه أشخاص بالحياة يتركون برحيلهم
      فراغ عميق مايملاه ولا حتى رمال الدهناء.
      محزن** إذا بقينا طول الوقت نتأمل هالحفرة،
      ومن الإكتئاب إن قررنا نجلس بوسطها باقي العمر.

      Liked by 2 people

  6. عزيزتي ايمان …مبدعه انتي كعادتك❤️ في بداية قرائتي للتدوينه لفتني عنوانها😊تعودنا على حكاية ماقبل النوم ،اما بعد النوم 😎مما جذبني اكثر للقراءة…..احببت اسلوبك وتسلسلك لدخول الموضوع ثم طريقة سردك لحكاية صديقتك..فعلا قلقت معك خلال سطورك..وبالاخير قفزت لاخر كلمة 🙈لم افلح في مسك نفسي ..كنت اريد الاطمئنان ..ولكني اكملت مافاتني.يعجبني كثيرا انتقائك للكلمات وتشبيهاتك ،وتعلمت الكثير بين سطورك .. سلمت اناملك ياجميله

    Liked by 1 person

    1. .وبالاخير قفزت لاخر كلمة 🙈**

      تصدقين ياسميه ان السطر الأخير كتبته في آخر لحظة
      على أساس تشويق وأجزاء
      بعدين بطلت الفكرة.

      غمرتيني بلطفك ❤️

      إعجاب

  7. “كم هو مفزع البحث الذي لا يؤدي إلى نتيجه”
    إيمان مدونتك بطلة، وأكثر ما أدهشني فيها إنني حصلت على نفس الهدوء والأحداث الباردة اللي أحصل عليها لمّا أبدأ بالتدوين. هذا الهدوء اللذيذ غالبًا ما أشعر به إلا مع تدويناتي، شعرت به اليوم عندك. شكرًا إيمان لأنني منذ زمن لم أندهش.

    Liked by 1 person

  8. كميية المشاعر إللي حسيت فيها وقت قرائتي لتدوينتك لا حصر لها 💓💓…
    ذكرتني بصديقتي (مي) اللي انتقلت من الرياض إلى بيشة خلال مرحلة المتوسط، كننا على تواصل دائم ولكن كان الاتصال يخف تدريجيا مع مرور السنوات حتى انقطعنا، وبعدت ما فتحت لي حساب في السناب تشات تذكرتها وكنت أبحث عنها توقعت إن ممكن نرجع بنفس القرب لكن لاحظت أن العلاقة صارت أكثر رسمية..

    موضوعك أثار في عقلي ذكريات تحتاج إلى فضفضة تدوينية حالًا 😭💜

    Liked by 1 person

  9. ايمان لطالما تمنيت خدمة في قوقل ان نكتب اسم شخص نتذكره ويعطينا كل اخباره
    ياليت بس
    تدوينتك رائعة ذكرتني ببحثي عن صديقة لي من سوريا من مدينة حلب
    وبالفعل كتبت اسمها الثلاثي والرباعي في قوقل ولم اجد اي شي
    فقط قرأت موضوعاً عن خبر في منتدى يعلن عن زواج اختها التي كانت تدرس
    الطب
    ولكن عنها هي لا يوجد شيئاً لا شيء ابداً
    اتمنى ان اعرف عنها شيء
    اتمنى لها ولصديقتك ان يكونوا بخير يارب

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s