عيناك وطن

 

ألم تحدّق يوما بالمرآة ليس لتتأكد من أنك ماتزال أنت، وإنما لتتفقد ذلك الوهج النافذ من عينيك الذي يتبدد في كل عام تكبره؟ كأعين الكبار تزداد العتمة وكأنهم اكتفوا من رؤية الحياة؟ وبدأوا إغماض أعينهم، وتصالحوا مع التجاعيد، تلك التي لم تكن تظهر سابقا إلا عند الضحك. عندما نكبر سيكون لنا أعين ضاحكة حتى ونحن نائمون، إن عشنا وإن انتظرنا حتى نكبر، ستضحك أعيننا وتغور في أعماقنا.

متى أكتشفت أنه يمكنك أن ترى بأعين الآخرين حبهم وسعادتهم؟ خيبتهم وخذلانهم؟ وأن كل الدموع التي بُكيت لم تكفي لأن تبحر بعيد عنهم، لكنّها بللتك ومنعتك من الطيران، إنهم يعلمون أنهم احتفظوا بك قريبا منهم، واستخدموا تلك النظرة التي تقول: ” نحن نرحب بك، ولا نمل حديثك”، كم عدد المرات التي قيل لك “ماذا بك؟”، وأنت لم تنبس ببنت شفه، إنهم يعلمون فأعينهم لا تخطئ، وعيناك لا تكذب، أنت لا تعلم أن عيناك وطن؟ وأعين الآخرين مسافة؟

كنت أحمل مرآة صغيرة ظاهرها لا يعطي إنطباع أنها مرآة، فكنت أكرر حوار حفظته عن ظهر قلب، واستمتع بردود الفعل المختلفة، اخبرهم أني أمسك بيدي صورة شخص أحبه جدا، واستطرد هامسه: أتريد مشاهدته؟ أخبرهم ذلك وكأنه سرّ لا أرغب أن يكتشفه أحد سواهم، فتتسع أعينهم ثم يهزّون رؤوسهم الصغيرة، تأكيدا بأنهم سيحفظون هوية من أحب ولن يخبروا أحد، ثم تتسع شفاههم عندما يرون إنعكاسهم قائلين ببراءة إنه أنا؟ فأجيب بلهجة المنتصر:نعم أنا أحبك.

كان الأمر أكثر متعة عندما تدور  المرآه على عدة أطفال في نفس الوقت، ثم يقولون: “من تحبين أكثر؟” ، فأجيب بثقة: الذي ترون إنعكاسه أمامكم. إنها لعبة لطيفة، إلا أني أهديت المرآة لطفلة كانت تبكي دون أن أعرف اسمها ولم ألعب معها، ولم أسألها: أتريدين مشاهدة الفتاة التي أحبها؟ ذهبت مرآتي ككل الأشياء التي أحبها وتخلصت منها، لأني أعلم أني سأفارقها يوما ما، لذلك إن قيل لي إلى اللقاء سارعت بقطع حبال السفينة وقفزت قائلة: وداعا.

الإعلانات

8 رأي حول “عيناك وطن

  1. ذهبت مرآتي ككل الأشياء التي أحبها وتخلصت منها، لأني أعلم أني سأفارقها يوما ما، لذلك إن قيل لي إلى اللقاء سارعت بقطع حبال السفينة وقفزت قائلة: وداعا.

    سلمت أناملك بحق أنت مبدعه يالغاليه ❤️
    ولكن استوقفتني عبارتك الاخيره الاتظنين ان بها قسوه اذا لم تكن عليك ستكون على من تخلصتي منهم لعلمك انهم سيفارقونك يوما ما .

    Liked by 1 person

    1. قسوة أن أودع الراحلين؟
      انا استعجلهم فقط
      ولم اطردهم
      ويعلمون اني سأحسن الضيافه “إن” عادوا.

      إعجاب

  2. ان قيل لي الى اللقاء …قلت وداعا…
    فالمساحة كبيرة بين من يريد اللقاءوبين من يريد الوداع كتلك المساحة بين من كانت عيونه وطن واعين الاخرين مساحة..
    لاتقطعي حبل من يريد اللقاء بسكين الوداع…

    Liked by 2 people

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s