مَّاذَا تَفْقِدُونَ؟

 

 

stock-illustration-36170222-lost-found-box

في الحياة لا تعلم أنك قد أضعت شيء مهم إلا بعد مرور بعض الوقت، الوقت الكافي لأن يبتعد ولن تجده للأبد، تبدأ القصّة عندما تتوهم أنك تركته في مكان ما، وعندما تعود تكتشف أنه لم يعد موجود، ذلك الذي تركته هنا، كان هنا قبل قليل، تبدأ عملية البحث اللا إرادية، تتحسس جيوبك الوهمية، تنظر أسفل الطاولة، تبحث بالأماكن القريبة ثم الأبعد، الأماكن المعقولة ثم المستحيلة، تكرر البحث في نفس المكان، تستجوب نفسك، متى آخر مرّه شاهدته؟

عندما تسأل من حولك، هل شاهده أحدكم؟ يبدأ الصغار بالبحث عن لا شيء، إنهم يحبون نشر الفوضى وهذه الفرصة مناسبة للقيام بذلك، فأنت لن تغضب منهم، وإن كان الشخص لا مُبالي قد يهزّ كتفيه ويكمل الاسترخاء الذي يقوم به، فتشعر أنّ ضالتك موجودة أسفله، فتطلب منه أن يقوم، هل حدث أن وجدت ضالتك مرميه بإهمال أسفل أقدام شخص لا يهتم؟ وهل حدث أن بحثت فوجدت ما تبحث عنه بين يدك، أو أمام عينيك؟ وأن الضياع كان ضياعك المؤقت؟

وخلال رحلة بحثك ستجد مفقوداتك القديمة، لكنها ليست البديل عن ما تبحث عنه الآن. أين تذهب مفقوداتنا؟ تلك التي لم نجدها بعد؟ هل تسللت في غيابنا وغطّت في سبات في مكان مُظلم وبعيد لا يمكن ليد بشرية أن تصل إليه؟ أم أنها تائه وتبكي فقدنا، لكن صوتها لا تلتقطه الأذن البشرية، ولو سمعنا عويل المفقودات لم نستطع العيش بهدوء؟

ماذا يفعل الآن الذين فقدوا صغارهم؟ في رواية عائد إلى حيفا كان الفقد أسوأ من الموت، حتى بعد مرور سنين طويلة، كان موت صغيرهم أهون من فقده مرتين. وفقد طفل صغير على شاطئ البحر كما حدث مع عمّتي قبل سنين أمر مُفزع، حيث يتمدد الزمن فيصبح طويلا جدا لتتذكر تحركاته بعد أن اختفى، وكأنه قطعه ملح ذابت في بحر الخليج، ربما اختطفه رجل ما؟ أو دُهس تحت عجلات سيارة؟ دائما تتخيل أمور سوداوية، تبدأ بالمناداة بصوت أعلى إلا أن صوتها لا يصل إليه ولا يتجاوزها، تبدو الرؤوس الصغيرة البعيدة في البحر جثث تسبح، إلا أن صوت الموج أقوى من أصواتنا المجتمعة، ثم نجده يلعب في الرمل وكأن ضياعه أمر لا يعنيه فهو يلعب ولم يحدث أيّ شيء، تلقي بثقلها على الأرض وتقول له معاتبه: ” أنا ما قلت لك لا تبعد؟ لا تضيع؟”.

ماذا يفعل الذين يسيرون بعد أن أضاعوا خارطة الطريق؟ ألا يسأل أحدهم نفسه: أين أنا؟ ومتى أتيت؟ وإلى أين سأذهب؟ أهذا هو الطريق الذي أريد؟ أم أني ضائع؟ كل الطرق ممتدة أمامك لا تُرى نهايتها، ولماذا لا يعود الذين ذهبوا، ليخبرونا ماذا وجدوا في النهاية؟ أكان الطريق هو الصحيح؟ أم أن الانعطافات الجانبية هي الاختيار الأفضل؟ الانعطافات التي يكثر بها اللصوص الذين سرقوا وقتك ومالك وحياتك، لكنك لا تستطيع أن تسترد ما سرقوه، فأيديهم خالية وجيوبهم أيضا ،إنهم أخفّ من أن يثقلوا أنفسهم بك.

 

 

المجد للجمادات التي لا تهرب وانما تبقى حيث وضعناها ونسيناها، والمعذرة لكل الأحياء الذين أفلتناهم وأضعناهم، ثم لم نبحث عنهم، لأننا في الواقع ظننا أنهم هربوا بملئ إرادتهم.


 

Advertisements

9 رأي حول “مَّاذَا تَفْقِدُونَ؟

  1. ” االمجد للجمادات التي لا تهرب وانما تبقى حيث وضعناها ونسيناها، والمعذرة لكل الأحياء الذين أفلتناهم وأضعناهم، ثم لم نبحث عنهم، لأننا في الواقع ظننا أنهم هربوا بملئ إرادتهم.”

    مؤلم

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s