أَبُوهُم صَالِح

لقد نسيت ، وكأن قنبلة ما أنفجرت بداخلي ، رفعت يدي للتكبير ثم سمعت صوت الدويّ ، لكن صفوف المصلين لم تتحرك من مكانها ، وأنا ما أزال واقفة  أضع يدي فوق بعضهما نسيت أين توضع رفعتها حتى أوصلتها إلى عنقي ، ثمّ انزلتها، لماذا نضع أيدينا فوق بعضها و لا نسدلها ؟ ربما لنمسك قلوبنا حتى لا تفرّ خارجة ،أُمسك قلبي جيدا إنه ينبض هششش، يحاول القفز خارجا من جسدي، إنه يزعجني لا أستطيع أن اسمعني أردد الرحمن الرحيم، الرحمن الرحيم ، وأرددها وأرددها ، كبّر الإمام من جديد لكني لم انتهي من الفاتحة بعد ، اني افقد الشعور بالزمن ، اسمع همس الامام يستغفر ؟ لا إنه يقول “ونقّه من الذنوب والخطايا كما تنقي الثوب الأبيض من الدنس” ، السيدة التي بجانبي تدعو الله أن يرحمه ويرحم المسلمين ومن أيضا ؟ لا اسمعها جيدا رغم أن صوتها مرتفع ، يُكبّر الإمام من جديد ثم تنتهي الصلاة ألفّ رأسي لجهه اليمين نحو السيدة التي تدعو الله أن يرحمه وأموات المسلمين لم استطع رؤيه وجهها تمسك حقيبتها وتغادر المسجد ، إنها لا تعرفنا ؟ لكنها جاءت لتصلي أكانت تسمع هذه النبضات ؟ تلك التي بددت تركيزي ؟ لأنها قالت : “الله يساعدك يا بنتي” أو قالت : “الله يسعدك”؟ “مساعدة و سعادة” هذه اللغة مذهلة تحمل مفردات مترادفة ومتعاكسة ، ما أزال في المسجد تسألني والدتي “شوفي وين البنات نعزيهم” ، إنهم متشابهون الكثير من السواد يلتحف المكان لماذا لا ارفع صوتي منادية باسماؤهم ؟ فكرة طفولية لكنه حلّ ، من بعيد يلوح لي وجه أعرفه أقبل رأسها نتبادل الدعاء وكلمة آمين ، ثم تسألني “شوفي وين البنات نعزيهم” مازال السواد يغطي المكان وفكرة النداء بصوت مرتفع فكرة غير مناسبة ، فمن يمكنه أن يرفع صوته في حضره الحزن؟ حاولت التركيز ولا أعلم إن كانت فكرتي أو فكرة والدتي قالت انظري أين يذهب النساء جميعهم سيذهبون للسلام عليهم .

هذه التفاصيل الصغيرة ستظل عالقة بك ، ولن يكون من المفيد الحديث عنها لأي صديق أو غريب قد تقابله في غرفة انتظار في مكان عام ، أو في نافذه محادثة على تطبيق ما ، الجميع قد فقد قريب له ، الجميع قد خاض تجربة ازدياد نسبة الادرينالين في جسده وازدادات نبضات قلبه حتى ظن أن قلبه سيقفز خارجا من جسده ، الكل له ذكريات مع شخص لم يعد له وجود متجدد ، كل ما تتذكره عنه صور قديمه تكررها وتقلبها باستمرار تدسّ اسمه في دعواتك وصلاتك، سيكون حاضرا في مواقف المستقبل ستسمع صوته وهو يبدي وجهه نظره في أمر مشابه ، وقد تقول بصوت مرتفع “كان سيقول هذا الرأي” .

عند عودتنا للمنزل كانت بعثرة غرفتي ماتزال كما تركتها ، تصلني بعض رسائل تعزيه ، تحاول والدتي التأكد أني بخير ، رغم أني لم اسألها إن كانت هي كذلك ، لا يتوقف هاتفها عن الرنين ، يتوقف تدفق الرسائل من هاتفي ، ظننت أني سأنام كالقتيل لكني استيقظت من جديد ، لم يكن استيقاظ  لصباح جديد ، لم أنم سوى ساعتين ، وها أنا اكتب السطر الأخير :

صالح كان رجل صالح، احبته جدتي جدا ، يارب هو في جوارك وأنت أرحم الراحمين.

Advertisements

13 رأي حول “أَبُوهُم صَالِح

  1. أجمل ما قرأت الى الان، لانك فعلا تحكين بلسان كل فرد فقد قريب او عزيز.. اللهم ارحم امواتنا و اموات المسلمين و الحقنا بهم صالحين غير مذنبين امين يا رب العالمين..

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s