كنت أُمسك طرف عباءتها

تبدو الذاكرة ضبابية ،أشبه برماد بركاني ذرّ فوق تفاصيل قديمة،

تحديدا لذكرياتي الأولى مع جدتي في الصالحية *أحد أحياء الرياض القديمة* أذكر أني أتبعها ممسكة طرف عباءتها السوداء
لطالما ظننت أنها أمي ، وأمي هي أختي الكبرى،
جدتي مفرطة المشاعر
تضحك بطريقة أنثويه تضع حجابها فوق وجهها ،
كان من السهل أن تُبكيها وتغضبها ثم تعود وتذكر الله
وتكرر جملتها :
*لا أحد ينوشني* بمعنى ممنوع الاقتراب،
كانت تعلم انها سترضى ويذهب غضبها وحزنها في دقائق،
تتعامل مع مشاعرها اللحظية بكل سهولة.

في المرحلة الابتدائية كانوا زميلاتي يتقافزون في نهاية الدوام
-إيمان جدتك جت.
لا اذكر كيف كنت أستقبلها ، أذكر كيف أمسك طرف عباءتها ونعود لمنزلها مشيا على الأقدام ، بعد أن ألقت التحية على المعلمات وتحدثت معهم عن أمور لا تهمني ، كان لها الدور الأكبر في دخولي للمدرسة قبل السن القانوني ، عندما أجرت مكالمة هاتفيه مع أحد الاداريات في مدرستي والتي صادف أيضا أن تكون جارة لجدتي ،فقالت لا بأس يمكنها أن تدرس قبل السن المطلوب وهذا ماحدث.

وكبرت قليلا واصبحت الأخت التي ترافق اختها الأصغر بعد الخروج من المدرسة لمنزل جدتي مشيا على الأقدام ، وكانت تترك الباب موارباً قبل صلاة الظهر وقد اعدت لنا الطعام لنأكله ، حتى عندما نُغضبها لأي أمر وقبل أن تخرج من الغرفة تسألنا ان كان لنا شهيه في تناول بعض الطعام وتضحك قائلة:
– جدتكم مابها نفع.

كنت كثيرا ما أشعر بالصداع أو الغثيان بسبب ركوبي الحافلة أثناء المرحلة المتوسطة ، وتسقيني وهي فزعة من ماء زمزم ، وتردد بسم الله عليك ، وبعض المرات عندما اتوقف عن شرب الماء وقد اكتشفت أن طعمه غريب ، تقول :
-كمليه زين هذا مقري فيه.
-خلاص ياجدّة طبت.

الصلاة تهمها أكثر من أي شيء آخر على وجه هذه الأرض ، كانت تنتقد كثيرا سرعتي في أداءها ،
-يابنتي وش هالصلاة ؟ هذا وأنتِ دارسة؟
لا تشوفين صلاتي أنا ما تعلمت مثلك ،
لا تصيرين أردى مني
والله أني أصلي ولا أدري وش قريت .
ثم تبكي وترفع صوت إذاعة القران حتى ارتبط صوت الشيخ محمد صديق المنشاوي بمنزلها، بغرفتها، بسريرها، بالراديو الذي كانت تضعه فوق رأسها ، وكنت أعبث به دائما ابحث عن محطة أخرى غير إذاعة القرآن ، في تلك الأيام تأتي الأخبار عن حروب لأماكن بعيدة، كانت تبكي في نهاية كل نشرة وكأنها تعرف القتلى بشكل شخصي ، لا اعلم كيف ستكون ردة فعلها لو علمت أن الناس الآن يموتون في المساجد القريبة من منازلنا.

رافقتها مرات متفرقة لأداء العمرة ، ولكن ذهابي معها لوحدي دون أسرتي كان له ذكريات مختلفة ، لأنها قالت أنها بحاجة الى أحد يساعدها، وفي حقيقة الأمر أني طوال الرحلة شعرت بحاجتي لها ، كانت تعرف الطريق للمسجد الحرام وكنت اتبعها واظنني انا من كان يمسك بيدها *خوفا* لا كما كانت تقول دعيني أمسك يدك*عجزا*،
كانت توقظني قبل إذان الفجر وهي تردد:
– لاتفوتنا الصلاة .
الظلام حالك والهدوء يعمّ الطريق إلا من خطوات المصلين الصامتين ، كلهم متجهين لقبلة واحدة ، وبوصلتي جدتي ،
تصلي جدتي كثيرا وتدعو الله كثيرا ،
ساعة يدها قد صنعت لتحسب كم تبقى من الوقت للصلاة القادمة،
لم أكن أهتم بأن أفعل كما تفعل ظننت أن هذه الأمور تخصّ الجدّات،
مهمتي أن أحضر لها ماء زمزم ان ارادت ان تشرب ،
وأن امسك عباءتها عندما ننتقل من مكان لآخر.

سألتها بحماس أحد المرات ولم أكرر سؤالي مرة أخرى:
-جدّة ليه ما تتزوجين ؟
ضحكت ولم ترد على السؤال ، لكنها ظلت تكرر السؤال في كل مرة تقابل أحد اقاربها تقول لي ايمان جدة ليه ما تتزوجين؟ ثم تضحك ويضحكون معها واضحك بدوري معهم .

يتبع

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s