كيف سنرحل؟

فرصتي الوحيدة هي هذه، وأظن أني اراقب أكثر مما افعل، لذلك لا افعل. هل تعرف قصة الضفادع المسلوقة؟ التي تبقى في مكانها بلا حركة وترتفع الحرارة أسفلها حتى تصل إلى الغليان وقبل أن تكتشف ذلك تكون فارقت الحياة! بينما لو وضعتها في درجة الغليان بلا تدرج لقفزت عاليا من أول لحظة! هذا ما افعله الآن انفخ أوداجي واشاهد كل ماحولي وكلي يقين أني في أمان من كل أخطار هذا العالم، ماذا لو كانت الأرض تفور أسفل مني دون أن أشعر حتى وإن بدوت متيقظا! بل أشعر أن النهاية قريبة وسانتهي قبل أن اخبر أحد بذلك، أريد قبل أن أحترق اخبار الآخرين أني كنت أعلم ذلك.

أنت لا تعرف الوقت الذي ستطويك فيه الأرض ثم النسيان. ولا تعرف أيضا كيف سيحدث ذلك؟ أفكر في هذا الآن، هل سيكون وأنا نائم؟ سأكون لوحدي أم سأرحل مع مجموعة هل اعرفها أم لا اعرفها؟ أهي مجموعة ضخمة أم لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة؟ سيتمكن الآخرين من التعرف إلى هويتي؟ أم أن أمرا سيحدث ويحولني إلى رماد وأشلاء؟ كأن يمحونا نيزك في ليلة هادئة ونختفي دون أن يبقى أحد يحزن رحيلنا! ليته يكون عاديا متكررليس بالأمر الجلل.

بعد مرور أسابيع

مرّ اسبوع على نتيجتي الايجابية، وبعد أن عزلت نفسي وجدت أن الأمر لم يكن غريبا أو مزعجا، هل ستكون النهاية نقص في ذرة أكسجين؟ سيكون ذلك سريعا، أن تغرق في صدرك محاولا البحث عن هواء ولا هواء! في مكان غير مكانك، وبين جدران لا تعرفك ولا تدري من أنت، تدير ظهرها وترى الجانب الآخر. اعرف أن أسباب الرحيل كثيرة وسيكون سببنا واحد لايمكن أن تتعدد وأنا شخص واحد أليس كذلك؟ إنها بديهية رياضية. تنفرط الأيام سواء قمت بحسابها أم لم تحسبها، ومع ذلك أحسبها باهتمام، إنها لاتزيد بشكل سريع إلا إن نسيت ولكني لا أنسى!

بعد مرور ١٠ أيام أخرى

تبدو هي الأصعب، نتساقط الواحد تلو الآخر، التوقيت يبدو مُفاجئ، يارب لستُ مستعد بعد، إني أفهم الآن لهفة الآخرين حين قالوا: “ادعو الله لنا لعلكم إلى الله أقرب”، ظننت لزمن مديد أني استطيع النجاة بمفردي بطريقة أو بأخرى حتى وإن كنت بعيدا سأصل في وقتي المناسب، فهل آن الأوان؟

قبل أن يحدث هذا كله، اشعر بالتبخر، هذه الأرض لم تعد تستطيع أن تمسك بأي فكرة قافزة من رأسي! اختفت الجاذبية، إني فارغ أكثر من أيّ وقت مضى، ولا أجد أمر مرعب أكثر من أني شخص لا يملك أدنى معرفة عن نفسه، إذ أن أيامه الماضية تبدو بعيدة تماما عنه الآن، هو مُختلف لا يستطيع أن يتملص من أنه كان صغيرا ولا يعرف إلى أن يكون أصغر ولا يعرف أيضا أكثر من أيّ وقت مضى!

من ضفدع يتبخر من حرارة الواقع إلى بخار يحاول أن يكون غيمة، أسأل نفسي: “كيف يمكن أن ينهي الشخص حديثه ويستطيع أن يعود لاكماله وكأنه لم يغيب ولم يختفي لوقت طويل؟”. لا أدري كيف أنهي حوار لم اتمكن معرفه سببه حتى هذه اللحظة؟

لا أحب الآفلين*

ازحت الشمس قليلا فوجدت خلفها شمس أخرى، لم تكن حارقة بل تبدو أشد وضوح من سابقتها. وكأني استطيع رؤية ما خلفها. شفافة كزجاج تمّ تلميعه هذا الصباح، نقية بلا شائبة وكأنها لا شيء! لماذا قررت أنها نجم آخر؟ لأن هذا ماتبدو عليه الشموس حين نقرر أنها كذلك. الرغبة المُلحة في أن أكون واضحا وشفافا لا أخفي أيّ أمر مهما كان مر، تجعلني أخلق شمس غير الشمس، وأن أغسل نفسي من الداخل بضوءها، ويمتصها جلدي دون خشية الاحتراق!

صدري ممتليء بكواكب لا أقمار لها! تدور حول نفسها فقط! لا ربيع ولا خريف ولا وجود للمد والجزر إذ لا وجود لقمر يجذبها إليه ويبعدها . هذا الامتلاء المتكدس فيّ يجعل الأفول والاختفاء احتفال ترجوه معظم الكواكب كل ليلة. تتمنى أن تختفي من فضائي، وتحاول أن توحي لي في أحلامي أنها ستنفجر قريبا، لكنها لا تفعل ذلك، استيقظ في كل يوم واشعر بها جميعا وهي تدور بقدر ماتسمح لها المساحات. لا ترى الكواكب بعضها فهي معتمة مُظلمة. تلتهم دفء الشمس التي صنعتها في سطري الأول وترجو الخلاص ولا خلاص.

ابتعدت حتى لم يعد يراني من يريد أن يراني، شعور بالخفة، شعور هباء – والهباء لتعرفه كما اعنيه هو “تُراب تُطيّره الرِّيح ويَلْصَق بالأشياء أو ينْبثّ في الهواء فلا يبدو إلّا في ضوء الشَّمْس”**- ابتعدت بين كواكبي في العتمة الدافئة من شمسي المخلوقة على الورق لا يراها ولا يشعر بها إلا من هو هباء مثلها، تتراقص في العتمة بلا رفقة ولا فكرة ولا هدف. أخف من أن تحمل رفاهية الاسئلة: لماذا، ومتى وأين!

ببساطة وبدون محاولة لتغيير ما يحدث أو تخفيف الواقع بعبارة: “الكل هكذا”. اشعر أني سيء، ومتأكد من ذلك، ولا استطيع أن اضرب أمثلة أو أن أقوم بالمقارنة. شعور بالسوء والسواد والتضاؤل، لستُ مكتئب ولا حزين ولا جائع ولا أمر بضائقة مالية. هو حجمي وموقعي أمام عيني! وهذا لا يثير غضبي، ولا اقوله راجيا ثناء من فضاء ما! ظني ليس سيء ولا أدري لماذا أجد نفسي هنا بهذا الرضا.

اعيد الشمس والكواكب إلى فضاءها، وأعود أدراجي أملأ نفسي بأعمال أكثرها جيدة إن لم تكن جيدة فهي لا تصل إلى السوء في نظر أطيب الطيبين، اربت على كتفي شاكرا ومطمئنا أن كل الذي مر صنعه شعور داخلي يمكن تغييره يمكن تعديله ليناسب ألوان المكان.

يجتر حروف الجر

أتدرك كم أنت ضعيف؟ لا تستطيع أن تجبر نفسك على فعل ما لا تستطيع فعله! ولا يمكنك أن تعرف مايدور في خلد الآخرين حتى وإن اقتلعت الكلمات من أفواههم، فهي ليست تماما ما يعنون أو يشعرون، بل إنهم يقولون ما سيتغير كنهه بعد مرور الوقت.

إنك مقيد بالزمن، لا يمكن بأيّ حال أن تصل إلى يوم الجمعة. تقف مكتوف اليدين في يوم سبت هادئ منتظرا مرور الأيام، أن تشرق الشمس وتغيب مرة بعد مرة حتى تصل ليومك المنشود، وحين يأتي لا يكون هو يوم الوصول، وإنما جمعة أخرى من عام آخر ليس هذا العام ويمضي العمر واقفا منتظرا جمعة لا تأتي!

جميعنا نثير شفقة أحد ما، هذا الأحد هو أنا في أغلب الأوقات! يبذل الانسان وسعه حتى وإن لم يفعل شيء يذكر، يبدو ضئيل وبلا حيلة يقف أمام الهواء ولا يستطيع منعه من اختراقه والتغلغل في أصغر خليه من جسده! تركض نحوه ذكرياته الأولى فور إغماض عينيه، قبل الخلود إلى النوم فلا ينام بسهولة! تُلقي به روائح الطعام نحو المرات الأولى من ذكرياته البعيدة التي تتقافز أمامه لكنه لا يقولها. إنه لا يدري كيف تسعفه اللغة في وصف ما لا يوصف! إذ أن رائحة اللحم المشوي أو الخبز تبدو لتكرارها آلية الحدوث ولا يمكنها أن ترتبط بذكرى أشخاص رحلوا وهو راحل أيضا معهم. لم يعد نفس الشخص القديم، لا أحد يستطيع أن يبقى في ماضيه مهما تشبث، مهما كرر الحكايا القديمة، إنها تبهت وهذا يبعث الشفقة ولا حل لذلك سوى الاعتراف أنها حدثت وأنه لا يستطيع أن يعيدها مهما كررها.

كم هو مُربك عندما أفكر بفكرة دون أن ارسم حدودها وقوانينها الفيزيائية. أيمكن أن تنجو الأفكار التي تشبه وتطابق أفكار آخرين؟ ماذا لو أنهم لم يفتحوا أفواههم بها، وإنما اكتفت بالتجول في سقف أدمغتهم ولم تتجاوز أيّ حدود. اكتفت في أن تكون تماثيل جامدة تلامس سقف الجمجمة دون أن اختراقها. ألهذا يفقد بعض الناس شعرهم؟ هذا ماتفعله أفكارهم تسرق خصلات الشعر وترسم بها السقف لأنها لا تستطيع الخروج؟ وتكتفي في التمدد والحملقة نحو الأعلى كما نفعل تجاه السماء التي لايمكن لمسها، نتأمل النجوم، نتأمل البعيد الذي لا يمكن الوصول إليه.

أتدرك ضعفك؟ لا تستطيع أن تحرك الوقت ولا أن تمنع الهواء ولا أن تلمس أيّ سقف، تجتر حديثك وتحاول أن تجعل خطواتك مشابهه لكل ما تقول وما تفكر به، تجد نفسك أثقل من أن تحملك الأرض وفي مرات أخرى أخف من أن تلامس سطح الماء.

انحرف فالطريق لم يعد مستقيم

إن الاستقامة التي يحاول أمثالي التمسك بها تحمل صيغة آليّة وسمة ملائكية يصعب تنفيذها. كمن يشتري شيء ويرفض استخدامه حتى لا يتلف أو يصاب بخدش، يخدم الأشياء التي عليها أن تخدمه ليطول عمرها. وينسى بعد حين لماذا وُجدت فتزدحم دنياه بأمور لا يدري متى استقبلها ولم يعد يعرف كيف يخبرها بأنه لا يجد طاقة تشبه التي كان يبذلها في البداية!

إن سرت على الطريق وظننت أنك تحسن صنعا فامسك بيدك عصا واجعلها تحفر الأرض تاركه أثر يمكن تتبعه، ثم انظر خلفك بعد مرور يوم واحد ستجد أنك كنت تتأرجح يمنة ويسرة! لست قديسا كما تظن ولست جيدا بما يكفي لتضع قوانين السير للآخرين! بل انظر إلى يدك أين هي العصا؟ كيف سقطت منك؟ أين تركتها؟

على الخريطة يوجد طرق صحيح؟ الكثير منها. طرق رئيسية تذهب بك بعيدا وبشكل سريع وإن لم يكن سريع بسبب الازدحام أو إغلاقه مؤقتا لاصلاح ما إلا إنه سيجعلك تصل أخيرا. على نفس الخريطة طرق فرعية طرق لا وجود لها، تجدها حين تسير على ضمانتك الشخصية ستذهب بك بعيدا أيضا لكن لا تأكيد لوصول أخير ولا ضمان بالسلامة! احدثكم من هنا من الشوارع الخلفية من الخريطة من العالم الذي لا وجود له، انحرفت حين كنت أصف لكم كيف تبدو الطرق المستقيمة مستقيمة!

بعد أشهر من التوقف

اسير في الظلام، لستُ مغمض العينين أدري ذلك، إذ أني أحفظ هذا المكان عن ظهر قلب، أكثر حتى من اسمي الذي استخدم منه نسخا مختلفة منه باختلاف المكان الذي أُوجد فيه. رغم رحابه هذه العتمة وسعتها التي تسمح بالركض آلاف الخطوات الزمنية بلا ضجة أو مزاحمة آخرين، إلّا أن رغبة السير ببطء هي كل ما أرغب به الآن وغدا والعمر القادم.

لستُ مقامرا أعلم ذلك إن ما أملك الآن هو ما احتاجه ولا استطيع الاستغناء عن دقائقي هذه بوقت آخر ليس لي، ولا أدري ماذا يفعل مخلوق مثلي بوقت ليس وقته.

إن اردت معرفة أمنيات الآخرين فانصت جيدا لدعواتهم لك، إنهم يدعون للأشياء التي تنقصهم ويظنون أنها تنقصك أنت أيضا أو ترغب بها بمقدار مايرغبون، أهي قاعدة؟ ربما لست متأكد من ذلك، هنا ندعو لبعضنا البعض بالجنة والصحة والرزق فهل نعيش في الجحيم ونتقلب في الحمى وشظف العيش؟ أم أني ولدت راضيا ولا أدري مقدار ما يمكن أن يحصل عليه المخلوق من صحة ورزق؟ أم أني أحاول بوعي -ولا وعي ربما – في طمأنة نفسي أن الحياة هي الاختيار الجيد مادمت وجدت نفسي بها وأن أي خيال آخر لن يطول ولا يمكن أن يكون واقعيا فما الداعي لخوضه؟

يبدو أن الظلام الذي آنست العيش فيه لا يشبهه النور الذي يغترف منه الشعراء والروائيين أقلامهم، هل أنت أيها القارئ شاعر؟ أم شخص عاش يوما في قصيدة؟

مغمض العينين ويرى!

حُكم عليّ أن يبتر أصبع من كل يد. لم يُزعجني الحكم رغم أني لا أدري ما سببه، ولا اذكر كيف وصلني الخبر! إذ أني لم اسمعه ولم أراه ولم يخبرني به أيّ أحد، سرت وأنا أنظر إلى يدي واعرف أيّ الأصابع سيقام عليها الحدّ، بل إني لفرط ما آمنت بالفكرة قمت بقطع أصابعي بنفسي! قطعت إصبع من كل يد، وحين عددتها وجدتها أربعة! رغم أن يداي هما يداي. لم أتألم ولم أشعر بالخزي أو حتى الحزن. كان تدفق الدم الدافئ المستمر يجعلني أتسأل متى سيتوقف؟ إن الذين ينزفون بهذه الغزارة سيكون لديهم مشكلة صحية، أبسطها فقر الدم وأخطرها الوفاة. عليّ الذهاب إلى المستشفى، لم أصل إلى أيّ مكان بل استيقظت من النوم. متذكرة أني لم اكتب أيّ شيء منذ مايقارب الشهر. لا أجد ما أقوله ولا أدري إن كان من الواجب فعل ذلك، ومن أوجبه عليّ؟

في ليلة أخرى كنت أنشر بالمنشار قطي إلى نصفين وأنا أبكي لأنه قفز قبل أن أنهي المهمة، فعلت ذلك ليكون أصغر حجما لا لأقتله. يقترب شخص ليواسيني في فقدي لكني ارفض ذلك. إذ أنه لم يمت وإنما هرب، وشتان بين الموت وما سواه، كنت أريد تشذيب القط. كما نفعل بأغصان الأشجار وأطراف الشعر والأظافر، نقصها ونحن على يقين بأنها ستنمو سريعا، وقطي كذلك سيعود لولا أنه قفز هاربا من بين يدي، في الحلم رأيت كبده وطحاله خرجا من مكانهما وحين ابتعد كان سليما أو هذا ما كنت اتمناه ولم اتحقق من رؤيته.

بعد أسبوع من هذا الحلم، وهي اللحظة التي اكتب فيها هذا السطر الآن، لم أعد أدري أين هو بحثت عنه في أرجاء البيت ولم أجده. افتقده كثيرا وأتعجب كيف كنت اقطعه إلى نصفين؟ اقلب صور الهاتف فأرى صور قديمة وكثيرة له وهو مستغرق بالنوم، هل رأى في الحلم يوما أني أذبحه؟ ليتني كنت اعرف أن المرة الأخيرة التي شاهدته بها كانت الأخيرة، لكانت نظرة مختلفة. نظرة عادية مُعتادة ومسؤولة تخشى عليه من برد الشتاء وتنتظر معه الصيف، لكنه اختفى وهذا شعور مؤلم، ولا أدري ماذا أفعل، اسمع واهمة صوت أظافره على باب الغرفة محاولا الدخول أو طالبا الخروج! وكيف عرفت أني واهمه؟ أنا مغمضة العينين الآن ومع ذلك لا أراه!

مذكرات يومية

الخميس 11 فبراير 2021

أجلس في حنجرتي، في أضيق نقطة يمكن أن تتكور فيها عبرة لا تدري كيف تخرج، ابحث عن سبب يجعلها تظهر دون أن تحتاج شرح أو إيضاح، في عالمي – داخل عقلي- كل الأشياء لها سبب، فلا تقبل الدموع التي تطرق الأبواب هكذا بلا مناسبة، ابحث عن حبة غبار وضعها في عينك ليُسمح لك بالبكاء والنحيب إن أردت!

لا استطيع ابتلاع نفسي، إني أكبر مما ظننت، وضئيلة أكثر مما أظن أيضا. 

في قصة هي قصتي كنت انتظر أن يرفع الستار لتبدأ الأحداث، لكن الستار لا يرفع، وأنا هنا في الخلف لا أدري ماذا أفعل، أرقص؟ امسح الغبار الذي يعود فور مسحه إذ أن الاثاث هنا مصنوع منه. أم أتدرب على الأدوار التي لا أدري لماذا أقوم بها. هل أُغني؟ أم أهمس، هل أشاهد الحضور؟ وكيف أدري إن كان هناك أحد يقبل أن يُرى وهو قادم ليرى؟

أنزلق الآن إلى شعبي الهوائية متمنية أن اتنفس واخنق الأخرى التي هي أنا لكنها أكبر، وتتشاغل في أمر آخر بعيدا عن رفع ستار القصة التي لا يمكن أن تبدأ لأنها شارفت على الانتهاء!

الاثنين 1 فبراير 2021

اكتب هذه الرسالة ولا أعلم إن كانت ستصل أم لا. هذا الشعور بالانسكاب هو كل ما احتاج. ولست مهتما حقا إن كنت سأندم لاحقا على ما سأقول، أو سأكون أكثر حكمة وأتصاغر الشخص القديم الذي كنت!

في الواقع لم أشعر يوما أني حقيقي. كنت مُقلدا لمن حولي، أحلم مثلهم بالرحيل إلى مكان أبعد، مكان لا يشبه رفوف المحلات التي كنا نصطف فوقها حامدين شاكرين إذ لم نقبع في مستودع مظلم. نردد دائما أنه من حسن حظنا أننا لم نعرف يوما شكل الحياة في المخازن البعيدة كل البعد عن أنظار الرفاق الذين نحلم أن نذهب معهم إلى منازلهم. كانت تنتهي قصة كل فرد منا عندما يذهب، ولا ندري ماذا يحدث لهم بعد ذلك!

أنا اعرف ماذا حدث لي، لقد خلعني وحاول اللحاق بأحلامه من النافذة، فركضت خلفه لأمنعه، إنه يعيش في طابق مرتفع لا اذكر الرقم ولكنه يتكون من خانتين آحاد وعشرات هل كان ٣٤ أو ٤٣؟ كان مرتفع جدا، حين سقط لم اسمع صوت ارتطامه لذلك تمنيت أنه طار. حملت نفسي ولحقت به، رغبت أن نطير، لكن لم نستطع التحليق، فرافقته نحو الهبوط.

في نشرة أخبار اليوم التالي يقول المذيع:

عُثر على شخص سقط من ارتفاع شاهق، يبدو أنه تعثر بحبال الحذاء اثناء اصلاحه شرفه منزله، ماتزال التحقيقات جارية للتأكد من سبب الوفاة.

الجمعة 29 يناير 2021

اذكر ذلك جيدا، كانت السماء مزدحمة بالغيوم وقلبي أيضا ممتلئ بالكلام الذي لم أقل سوى القليل منه. يومها قلت: ألا ترى معي أن الشمس تأتي كل يوم، بينما الغيوم لا تفعل ذلك؟ وإن جاءت تحاول تغطية الضوء من أجل أن تنهمر؟ اذكر ذلك جيدا، يومها قلت متابعا حديثك إن القوارب الشراعية صديقة الرياح، بينما الموج الذي يلعق أقدامنا على الشاطئ صديق الجميع، وإن بدا لسانه يحاول ابتلاع كل الموجودين، لذلك يهدر متراجعا في آخر الأمر ولا تدري إن كان جائعا أم مُرحبا بنا. اذكر ذلك جيدا، أنك قلت: إن البحر مالح حتى لا يفسد، ثم سألت نفسك مستدركا ولماذا لا تفسد الأنهار الحلوة؟ ربما لأنها تجري طوال الوقت فلا تجد وقت تركد فيه فتفسد؟ مرّ وقت طويل، أذكر ذلك وتمنيت أن أرد عليك يومها أني أحب رفقتك الدائمة كالشمس، وانهمار كلماتك كالمطر، ومحاولتك لتغيير مسار الحديث عندما يكون الموقف صعبا ولا يمكن مواجهته، ثم تعود مجددا كموجة اختارت الوقت المناسب لتبتلع حزني وانقباضي.

الخميس 28 يناير 2021

مرحبا وصباح الخير اتمنى أن تكون الحياة على السطح هادئة ومستقرة ولا يزعج الآخرين سيرنا فوقها، حتى نتمكن من الغوص في عمقها بلا جهد ولا أسى ولا جلل، أن نختفي عكس حضورنا المُبهر، إن لا يُلاحظ أننا نخبو وننطفئ ولا نعود كما كنا في البدايات.

كيف الحال والأحوال؟ إجابة على سؤالي أنا بخير ولا أدري كيف حصلت على هذا الكم من الحب والعطف والأمان؟ وهل عليّ أن أكون مترقبا متوجسا من فقده أيّ ساعة أو لحظة؟

أفكر في الشوارع الخلفية من الحياة، خلف وجوه الناس، وما وراء صدورهم، أدير رأسي داخل رأسي فأرى مساحة فارغة تستطيع أن تتحدرج عينيّ وفكرتي الواحدة واستقامتي التي اكسرها إلى استقامات متعددة فاجعلها منحنية لترى عيني طرق أخرى غير التي تسير فوقها، لربما كان هناك شيء يثير الفضول، ويملأ الحياة بالحياة.

الحياة دبقة لكني لا التصق، اتسآل عن سبب الالتصاق عن معنى أن تضع أطرافك فلا تستطيع الفكاك وتظل عالقا لا يمكنك الطيران ولا الفرار ولا تجربة شيء آخر.

الأربعاء 27 يناير 2021

مرحبا مجددا، وهذه المرة على عجل، للحد الذي لا يمكن فيه المجاملة والسؤال عن حالك وكيف أن الحركة تضيق وتشتد حولك لأنك ستجيب سريعا ومعتادا حامدا وشاكرا أنك بخير، وأن الأمور مستقرة وهينة.

هذا الكلام وإن طواه النسيان أو اللا فهم أو التأويل الذي يطابق حال القارئ لا حالي! إلا أن حالي يهمني ولا يفهمني ما الذي يجب عليه الشعور به، أو كيف يسير، أو ماذا سيفعل بعد دقيقة من الآن.

إني في واقع الأمر عالق هنا في اللحظة. إنها تغمرني وتغرقني بسؤال: كيف كان الحال قبل عَشرة أعوام؟ وكيف سيكون الحال بعد عَشرة أخرى؟ وماذا عن العِشرة مع من حولي هل تكون عسرة؟ أم ستبقى حميمية وهادئة. تدور حول الغضب ولا تغضب، تجول حول الملامة ولا تفعل، تختار الرخاء وتفضل الهدوء على الصخب، تجز على أسنانك حين لا تستطيع القيام بالمهمة على أكمل وجه أو في وقتها المحدد، وأنت تدري أنك إن لم تقم بها سيقوم بها آخرون على أكمل وجه وبمجهود أقل مقارنة بما كنت ستفعل، إذ أنهم لسبب لم تتمكن من الحصول عليه يجيدون ما لا تجيد، وأنت تجيد أمور أخرى لكنها ليست لهم ولا لأي أحد في نطاق رؤيتك وفي حدود مد ذراعيك! إذ أنك وحيد في دقيقة ما قبل النوم، وممتلئ بالكون في أول دقيقة استيقاظ. وبقية اليوم تتدلى من حبل جيئة وإيابا لا تدري إن كانت الكثرة هي ما تريد أم أن الاكتفاء هو أفضل ما يمكن أن يحدث للانسان شرط أن لا يكون مجبرا، شرط أن لا يكون معتادا، وشرط أن لا يكون وحيدا لأنه لم يستطع أن يقول، لذلك حاول أن يكتب! لكنه لا يكتب وإنما يهمهم بلحن ولا أغنية يمكن أن يلصقها، ليكون مفهوم أمام نفسه.

الثلاثاء 26 يناير 2021

حين تنتهي القصة ولا يبقى بعد السطر الأخير سواك. تشعر برغبة مُلحة في ترتيب المكان لأن الترتيب هو مهارتك الوحيدة والمتبقية، حتى وإن لم يعد للمكان قيمة بعد فراغه من كل شيء. شعور يشبه انتهاء الفصول بعد أن قررت أن لا تكرر دورتها. وأن الخريف الذي عشته كان هو الأخير دون أن تدري، لذلك سرت فوق الورق الجاف واستمتعت بصوت فنائه، ولم تكن تدري أنه لن يعود. لست نادما ولست سعيدا إنك فقط متفاجئ! كيف لم تتمكن من اكتشاف ذلك قبل حدوثه أو حتى الشعور به؟

تعود لتركل السطر الأخير محتجا ومعترضا، لتجد نقطة النهاية تبتسم قائلة: لايوجد سواي الآن. نحن الآن أيها الرفيق صفر على الشمال مهما كتبت لن يكون هناك إيّ قيمة، عليك أن تستسلم فلا فاصلة ولا كسر يمكنه أن يكتب لك فصل جديد في قصة قديمة.

لا تقلق إنه مساء جديد وأنا بخير، لكني وقبل أن ينتهي اليوم أفكر بحال القصص القديمة المنتهية والتي لا يدري أصحابها أنها انتهت، يعيشونها كل مرة وكأنها لم تنتهي، وكأنها لا تنتهي. اخبرني هل أنت بخير؟ أي الفصول تعيش؟

الثلاثاء 5 يناير 2021

متى؟ ومع من؟ وإلى أين؟ ماذا حدث؟ من يعرف؟

الزمن والأشخاص قطبي المغناطيس المتنافرة والمتجاذبة يجمعها ويفرقها أفراد وجماعات والأوقات المتفرقة.

الاثنين 4 يناير 2021

أكثر دفء مُقارنة بالبارحة، أجدني مسرورا أيضا مقارنة بالأمس، وهذا جيد، ليس للكتابة وإنما الشعور ذاته. إنك لا تستطيع نقل المشاعر ونسخها بين الأيام. كل يوم يحمل شعور مختلف وإن تشابهت الظروف -يكفي تغير حالة الطقس- لتتبدل الأحوال.

هناك مستوى من الشعور لا يمكن الوصول إليه، أراه لكن لا استطيع تجربته وهذا غريب! أن ترى شيء لا تعرفه ولا تدري كيف يمكن أن يكون أفضل ما سيحدث لك أو الأسوأ؟ إن حدوثه للآخرين بدرجات متفاوتة لا يثبت حتمية حدوثه لنا! قول أحدهم “أنت ميت” لشخص يسير على قدميه ويهز كتفيه لمجرد أنه لا يتفاعل بالشكل المناسب كما تفعل المخلوقات الحية، إذ أنه يقيس المسافات ويحاول أن لا يُغضب ربه ووالديه ونفسه وجميع من يهتمون لأمره، إنه انسان وحيّ ويخشى أن يموت رغم أنه لم يصل إلى ذلك الشعور الذي يراه ولا يدري كيف يمكنه الحصول عليه، هي أشياء تأتي إليه لا يستطيع السير نحوها، كالهواء يدخل رئتيه ويزيد من اشتعال النار ويطفئ شمعة، مُختلفة ولا يدري إن كانت ستحييه أو تحرقه أم تطفئ العالم أمام ناظريه.

السعادة هي كل ما أملك هذه اللحظة ولا أدري كيف أوزعها بالتساوي ليحصل القادمين هنا على حصتهم حين يشاهدون هذه الأسطر ويرحلون. إني ممتن لقدومكم كل ليلة إذ أن الكلام هنا يتجدد دون أن أعلن ذلك لأحد، أجد أنه من الأيسر أن انشر الأسطر دون أن ابذل مجهود آخر يجعل الأعين تعيد التجربة. أحب أن اكتب، وأحب أن أكون سعيدا دائما كهذه اللحظة التي أعيشها الآن. خذ هذه سعادتي لهذه الليلة واترك هنا غضبك واستياءك من هذا العالم! ستحصل غدا على نصيب وافر من كل ما تتركه خلفك.

الأحد 3 يناير 2021

لدي الكثير من الكثير ولا اعرف طريقة مناسبة للتقليل منه أو تخزينه للاستفادة منه في حياة أخرى. الذين عاشوا قبلنا ماذا فعلوا بالكثير الذي لديهم؟ هل تركوه خلفهم؟ أين وضعوه؟ هل أترك مالدي أيضا مثلهم؟ وكيف آخذه معي؟

شيء كالرمل ينساب من بين يدي، لا أدري كيف أحافظ عليه، أدور حوله لعلّه يتبعني حين أسير لكنه لا يفعل، أجمع كفيّ معي راجيا أن يتبعني، أن يكون معي لا استطيع أن أبقى هنا ولا يمكن أن أرحل، أدير ظهري فقط، أجول ببصري لا قدمي أرجاء المكان، وهذا الكثير الذي أملكه لا يتحرك ولا يتزحزح! ماذا أفعل؟ أحب التساؤل لا البحث عن الإجابة. أحب الحيرة لا يمكن أن انتقل بسهولة إلى المعرفة والوضوح إذ انتقلت إلى هناك فهي النهاية حيث تذوب علامات التعجب والاستفهام، ولا يبقى هناك سوى النقاط في نهايات الجمل، والحقيقة التي ستشع وربما تذهب البصر ولا يبقى سوى البصيرة. وأنا الخائف المرتعد الذي كان يملأ صدره بفخر عن الكثير الذي طار في لحظة واحدة وبقيت ارتعد مبللا من سؤال واحد: “ماذا فعلت؟ وأين كنت حين كان الآخرين أنا؟”.

في أيام ليست كهذه الأيام، حين كان الهواء يملأ صدرك ويدفعك بعيدا عن السطح حيث لا كلمات تصلك بالأرض، تمسك النجوم بيديك لعلك حين تعود تضعها مع الكثير الذي لم تتمكن من حمله معك، والنجمة الوحيدة التي استطعت أن تمسكها ستكون حين تعود ليست ملك لك، إنها لعائلة أخرى لهم بابهم ونوافذهم التي لا تعنيك وليست كثيرك الذي ظننت أنك تملكه!

هذا العام طويل أليس كذلك؟ مرت ثلاثة أيام بشمسها وليلها وبردها وماتزال درجة الحرارة منخفضة هنا. لا استطيع التحرك بحرية إذ أني ارتدي كل ما أملك من أغطية وما أزال أشعر بالبرد الكثير الذي يتناقص أكثر ويجعلني حزين، هذا البرد يسرق من قلبي البهجة.

السبت 2 يناير 2021

كم خطوة عليّ سيرها لأصل إلى الجنة؟ هل أنا قريب منها؟ هل أسير بالاتجاه المعاكس؟

الجمعة 1 يناير 2021

ششش ماذا تسمع؟ للوهلة الأولى لا شيء أليس كذلك؟ مجددا اخبرني ماذا تسمع؟ اسمع صوت الثلاجة في المطبخ إنها تعمل طوال العام صيفا وشتاء دون أن تغفى بل إنها تستيقظ فور أن يُفتح بابها وكأنها لا تنام. اسمع صوت ضغط أصابعي على لوحة المفاتيح، وبعد أن توقفت عن الكتابة اسمع صوت باب الجيران إنهم يغلقونه بقوة في كل مرة، وكأنه يطردهم منه أو يمعنهم من الخروج مجددا! اسمع أيضا صوت أواني المطبخ أحدهم يصنع مشروب ساخن، إذ أني اسمع صوت بخار الماء يحاول الخروج من حرارة الإبريق واسمع صوت الملعقة تحرك السكر في الكوب أو ربما كان ملعقة من العسل؟ الأكيد أن الملعقة تدور لتذيب الموجود في الكوب. اسمع تقليب صفحات الكتاب الذي اكملت سنة كاملة وأنا أقرأ صفحاته على مهل إنه أكثر من جيّد ولا أريده أن ينتهي. اسمع صوت وصول رسالة على بريدي الالكتروني إنها تهنئة بالعام الجديد لا أشعر بأني المعنيّ في الرسالة رغم توسط اسمي في منتصفها وعنوانها أيضا، كيف يعرف الشخص أن الأشياء التي تصل إليه ليست له؟ عندما لا يستطيع التحدث عنها بصوت مرتفع، عندما يخجل من ذكرها سرا بينه وبين نفسه، هذه أصوات لا اسمعها فهل يسمعها غيري، هل تسمعها أنت؟ هل تسمع شيئا؟ أم أنك لا تملك أذن أو أنك تعيش في فراغ لا ينقل إليك صوت أيّ شيء؟

الخميس 31 ديسمبر 2020

أحب هذا الشعور، شعور الانصات لأحاديث الآخرين. اسئلتهم وإجاباتهم، أحب براءة الانسان فيهم. محاولتهم للانسجام وطريقتهم في إثارة غضب غيرهم من أجل الضحك أو حتى ملء فراغ اليوم. نقاشهم حول من بدأ الحكاية ومن حاول أن ينهيها.

تختلف لهجاتهم وألوانهم وأصواتهم لكنهم يشتركون في الحياة والتواصل وزيادة الأعداد حولهم أو اختيار كثافة حب المقربين فقط. البحث عن انظار المزيد أو شعور بالأهمية وإجابة على سؤال: كم عددهم؟ الذين شاهدوك أو تحدثوا معك. ومابين الخصوصية أو حتى الانتشار تظل فكرة المشاركة مُلحة وحاضرة.

أحب هذا الشعور، ظهوري متصلا في الشاشة دون أن أقوم بأي شيء سوى الانصات والتأمل فقط. لستُ مجبرا على رد فعل معين ولا التعليق ولا حتى هزّ رأسي موافقا أو معارضا إذ أني في الطرف الآخر من العالم ولا ينتظر مني شيء وهذا مريح.

أغلق الشاشة ويختفي العالم. وأعود من جديد مرة أخرى افتح الخريطة وأدور كالليل والنهار أمدد نقطة صغيرة في الخريطة أكثر فأكثر، إنها جزيرة تسبح في المحيط، هناك شخص لا مشاهدين لديه سواي، يعزف بلا انقطاع دون أن يرفع عينيه إلى الشاشة، يجلس أرضا في غرفة صغيرة وبابها مُغلق، يُعلق في ظهر الباب معطف ومظلة، وبجانب الباب علبة كرتونية تبدو وكأنها وجبة لشخص واحد؟ العديد من الكتب والمجلات المتراكمة فوق بعضها البعض بلا مكتبة وإنما تتكوم مكدسة على الأرض. وماذا بعد؟ إنه مايزال يعزف ولا يرفع بصره إلى الشاشة حيث عدد الزوار لديه واحد وهو أنا، لكني لا اكتب شيئا وإنما التهم المكان بنظرة متفحصة، يرفع رأسه أخيرا يخرج من جيبه ولاعة ليدخن، يتوقف عن العزف تمتلئ الغرفة بالدخان الأبيض يحملق في الشاشة يتكلم بلغة لا اعرفها يهزّ رأسه يعود للعزف، انظر لساعة حائط فوق بابه تبدو معطلة إذ أنها منذ بدأ العزف حتى اللحظة لم يتحرك عقرب الثوان ولا الدقائق.

الأربعاء 30 ديسمبر 2020

انتهى الأمر؟ أليس كذلك. أشعر بذلك ومتأكد منه، لكن لا أملك أيّ دليل يمكن رؤيته أو وصفه. إنه مجرد شعور قوي وكثيف. انتهى الأمر كما تنتهي الأيام والأعمار والأحلام. وأغلقت الصفحة التي بنهايتها انتهى الكتاب. وهذه ساعة مابعد النهاية إذ أنك لا تدري ماذا تفعل من جديد. أنت القديم الذي فقد القدرة على التجدد، وعلى البقاء وعلى السير وعلى التوقف وعلى الجلوس. انتهى الأمر ليدفعني أحدهم عن الطريق، ليمسك أحدهم يدي ويخبرني بلطف أن الطريق انتهى وليخبرني أيضا أني لستُ أول واحد ولا الأخير وأني مثل الكثير الذين لم اتمكن من لقاؤهم، الذين حانت نهايتهم وهم يعلقون أبصارهم في طرق غيرهم.

آه الآن فهمت جرس البداية الذي قُرع في أول الطريق كان لي أيضا، ومضات العابرين الذين كانوا يركضون ويتوقفون لالتقاط بعض الأحاديث التي كنت أملأ بها جيوبهم وعقولهم. والتي تتساقط منهم حين يكملون الركض في طرقاتهم التي أراقبها ولم أفكر أن لي طريق آخر، حتى حانت النهاية التي لا أدري لماذا لم استطع قبولها حتى اللحظة.

انتهى الأمر أليس كذلك؟ لكنك لم تستطع أن تخبرني بصوت مرتفع حتى لا توقظ الشخص الحالم فيّ. كما أن يديك قصيرة لا تستطيع الوصول إلى كتفي لتهزها فأنا بعيد عن هذا السطح. لم تستطع أيضا أن تودعني إذ أن النهاية ليست بالوداع وإنما بالانقطاع الذي لا تدري متى حدث إلا حين يكون أكيدا وبعيدا جدا لا يمكن العودة إليه، لا يمكن أن تبدأ من جديد.

انتهى العام ولا يمكن أن تعود السنين إلى الخلف، ولا يمكن أن تعود وحيدا هناك كل الذين بقوا تحولوا إلى رماد.

الثلاثاء 29 ديسمبر 2020

نلحق ضوء الشمس من النوافذ، نتكور ونتمدد حتى تحرقنا ولا يزعجنا ذلك. وحين تغيب نشعر بالحزن وبالفقد، نتلحف أغطية سميكة وثقيلة لكنها لا تشبه الشمس في أيّ شيء.

الاثنين 28 ديسمبر 2020

هذه الحياة ليست لي، اشعر أني أمسكها من أجل أحد ما، لا أدري ماهو ولا أدري إن كان سيأتي! هذه الحياة ليست لي، لا أشعر بأن أنا هو أنا، بل إني مؤقت وسأعود إلى مكان آخر في وقت قريب.

الأحد 27 ديسمبر 2020

أنا شخص ضخم وهذا يجعل كل من حولي صغار جدًا وبعيدين عن مستوى رؤيتي للأمور. أنا مثلهم في كل شيء إلا حجمي وهذا السبب كفيل بأن يجعلني بعيد. لا يمكن الانصات لهم، لا استطيع تبين ملامحهم، ولا مشاركتهم الفتات الذي يسمونه طعامًا.

وقع أقدامي يزلزل الأرض، شهيقي يغير من ترتيب المكان وأما الزفير فهو بعثرة لا يمكن اصلاحها، لذلك يمكنك تخيل ماذا سيحدث لو سعلت أو ضحكت!

أنا شخص ضخم ولا أدري كيف أني طوال الوقت انظر نحو الأسفل، اليوم فقط رفعت رأسي للأعلى فوجدت رأس ضخم يحملق فيّ، إنه عملاق وأبدو له صغيرًا جدًا رغم أني اشبهه في كل الأشياء إلا الحجم.

هذا ما يحدث تمامًا وأنت تقرأ، هناك شخص يروي قصة داخل القصة.

أنت العملاق وأنا الضخم والأحرف هم الصغار.

السبت 26 ديسمبر 2020

رغم أن هذه السطور تكتب الكترونيا إلا أن كل سطر اكتبه ثم اتراجع عنه اشعر بصوت تمزيق ورقة داخلي. وعند مسح سطر آخر أسمع صوت كرمشة الورقة على شكل كرة، والسطر الأخير المحذوف الذي أقفل بعده شاشة الجهاز مستسلما فكل الأفكار لم تعد تطيق الرحيل بعيدا عني. اسمع صوت قلم يتدحرج محاولا السقوط ولا يجد هاوية ليسقط منها فيستمر بالدوران حتى يغلبني النعاس فينتهي اليوم الثالث بلا كتابة.

الجمعة 25 ديسمبر 2020

استيقظت باكرا ومازلت أحمل معي كسل الأمس.

الخميس 24 ديسمبر 2020

مُصاب بعثرة الكتابة، وعثرة القراءة، وعثرة الانجاز بكل أشكاله.

الأربعاء 23 ديسمبر 2020

لستُ في مزاج الكتابة، لم أجد وقت حقيقي لأنعم برفاهية التفكير وتأمل معضلات العالم، إذ لم أنم سوى ساعات قليلة وهذا ليس من شيمي ولا عادتي، أرى الكون حولي عبارة عن وسائد من غيم، اشتاق أن أدس رأسي بين طبقاتها وأنام.

الثلاثاء 22 ديسمبر 2020

هل ستعود؟ قطع الزجاج المتشظية إلى حالتها الأولى؟ هل يمكن ترميم ورق مُحترق؟ أو هل يمكن أن تختفي الورقة ويجد الكلام الذي كتب فوقها طريقه للنجاة؟ أن يقفز في الهواء ويلتصق بأي سطح يشبه الورقة كذاكرة شخص ما؟ بل ما شعور الحرف الواحد الذي يجد نفسه مختلف في كل كلمة مثّل جزء من تكوينها؟ أهو هذه الكلمة؟ أم هي سيرته الذاتية التي تبدأ في جملة وتنتهي في أخرى. وهو يعلم أنه لم يكن ذا معنى لو اكتفى بترتيبه في الأبجدية دون أن يتحرك بين أقرانه، أن يزورهم وهو يعلم أنهم مثله يختلفون ويتشكلون بسبب اقترابهم لا ابتعادهم. إن الحرف الأبجدي الواحد يعيش في قواميس الكلمات مئات وآلاف المرات، يرتدي معنى مختلف ويزهو بنفسه مرة ويشعر بالملل مرة وبالحزن والحيرة مرات ومرات.

خذ مثلا حرف الياء، عاش في النداء ملك حين يصرخ الناس بكل لهفة أو غاضبون منادين يا أيها.. ، وعاش في الحاضر ومايزال يفعل ذلك بكل زهو وافتخار: يركض، يضحك، يلهو، ينام. وهو الحرف الثاني من اسم ايمان، كما أنه يتمدد كقط في كسل وخمول في أهم الأعمال التي يحاول البشر فيها نشر الحق والعدالة كالقاضي والجندي والشرطي والمحامي.

هل ستعود الأحرف وتصطف بجانب بعضها البعض بترتيبها الذي بلا معنى، وهي تعلم أنها صنعت علما ومعرفة ورسائل وشعر وتاريخ وأدب وأحاديث مسموعة ومكتوبة والكثير منها لم يسمع ولم يرى، تلك الكلمات المتشظية في الصدور هل تجد طريقها إلى الابجدية التي بلا معنى ودون أن يدري أحد أنها عاشت وعادت سيرتها الأولى؟

الاثنين 21 ديسمبر 2020

استعد للرحلة حقيبتي ممتلئة بأغراض أظنها ضرورية. هل سأحمل ذات الأشياء إن كنت سأسافر بلا عودة؟ الذين يغادرون للأبد ماذا يضعون في حقائبهم؟ وماذا يتركون خلفهم؟ الذين غادروا وهم يظنون أنهم سيعودون لكنهم لم يعودوا ماذا فقدوا؟ ماذا نحمل معنا في المسافات القصيرة؟ وماذا نريد أن نحمل إلى نهاية الطريق؟ ما الذي نحمله دون ندري لماذا نفعل ذلك؟ ثقيل وبلا فائدة بل إنك حين تحمله تحرص أن لا يراه أحد، لأنك لا تجد تبريرا واضحا لما تفعله، وأنك لا تدري هي الإجابة الفعلية، لكنك لا تريد أن تندم لأنك تركته خلفك ظننت أنك ربما ستحتاجه؟ لكنها ستظل ربما متضاعفه للحد الذي يجعلك تندم على الوقت الذي أمضيته بحمله. لذلك تعوض العمر الطويل بمزيد من التحمّل الذي ستشكر نفسك أنك تحملت قليلا لأنك ربما ولكنها ظلت ربما.

لم أغلق الحقيبة انظر إلى كتاب مصور حملته معي، ماذا لو كانت هذه هي رحلتي الأخيرة التي لن أعود بعدها مجددا، هل كان علي اختيار كتاب آخر بلا صور؟ 

الأحد 20 ديسمبر 2020

يمكنني وصف نفسي بجملة من كلمتين: “مُستعد دائما”. اخبرني فقط عن الوجهة وستجدني أهرول إلى ما بعدها. في كل مرة أصل أجد في الانتظار حِمل ما، لا استطيع التخفف منه ولا أدري ماهو على وجه التحديد! إنه ثقيل ولا يمكن رؤيته.

إني حائر ولا أدري كيف أقطع هذه الحيرة. لا أدري كيف أقبلها واتركها تدور حولي حتى تملّ أو اعتادها. حتى أصل إلى حقيقة شخصية أن الخلق يعيشون مع حيرتهم وكأنهم حملها وليست هي حملهم.

يمكنني وصف نفسي بكلمة واحدة: “مُستعد”. لتصل إلى مرحلة تتردد في قول أيّ أمر لي، لأنك لا تدري إن كنت أرغبه، أم أنه سيبدو وكأنه أمنيتك وعليّ تحقيقها. حتى وإن كانت معروفا فكرت أن تقدمه لي! سيكون معروفك هو الخدمة التي حصلت حتى قبل أن تكمل حديثك.

أشعر بلا شيء، الطقس بارد ولا يسمح لي إلا بفكرة واحدة، متى تشرق الشمس؟ متى يعود الصيف؟

السبت 19 ديسمبر 2020

ماذا تريد في هذه اللحظة؟ لا شيء. ماذا تريد في الغد؟ أيضا لا شيء. هذا الاكتفاء هو كل ما أريد، الامتنان للموجود الذي اعتدته، تدفق الأفكار بلا توقف ثم العودة مجددا لذات الفكرة دون أن تبدو غريبة، إنها انعكاسي في كل الاسطح.

كيف تبدو محاكمات السماء؟ بل كيف تبدو محاكمات الأرض؟ ماشعور الأشخاص هناك؟ ما وزن الحيرة التي تطفو في هواء المكان؟ ماعدد الأوراق والخطوات هناك؟ المواعيد التي تمتد، والانتظار الذي ينتهي بانتظار آخر. والحكم النهائي الذي يأتي متأخرا لكنه يأتي. ما أكبر الحوادث هناك؟ وما أشدها تعقيدا ولا يمكن فهمها؟ أيكون القتل والدين -اقتراض المال- على القائمة؟ أم خصومات الورثة والأموال المأكولة هي الأكثر؟ أم أن ورثة الورثة الذين تكاسلوا في اتخاذ قرارهم والحسم في شبر أرض يملكها الجميع ولا يمكن اقتسامها لأن أحد الكبار الذي مات غاضبا قبل عشر سنين لم يكن ليرضى أن تكون الأرض ملك للآخرين، لأنه حرثها وحيدا وحصدها وحيدا، فكيف يشاركه من لا يعرف شكلا للبذور؟

أهو مكان عادي بالنسبة للحارس والقاضي؟ لكثرة ما تتكرر حكايات الناس هناك؟ لذلك يجدون الحل ببساطة لكل قصة، بل إن المفاجأة والدموع التي تتكرر لم تعد تجد طريقها إلى افئدتهم، كما حدث في سنوات تدريبهم الأولى؟

الجمعة 18 ديسمبر 2020

يشعر أنه مُستهدف وأن الشرور تحدث له وحده، وأن الآخرين في نعيم ويحصلون على كمية قليلة من البؤس مقارنة بما يحدث له. يصمت ليلتقط أنفاسه أو ربما ينتظر ردة فعل عليّ اتخاذها، أجيب بأن الحياة وإن طالت ستنتهي بخيرها وشرها، إن اجبرت على الاختيار فاختر أن تكون الخير في كل المرات ما استطعت. يكمل بأنه المصفوع والذي يهوي للقاع منذ أن ولد حتى هذه اللحظة وهو يسامح ولا ينسى، وهو رائع وسيظل كذلك. أفكر دون أن أقول، أهو حزين وسعيد بذلك؟ أم يشعر بالتميز ولم يجد من يؤكد له ذلك؟ وكيف لي أن اعرف حقيقة ما يتحدث عنه؟ الجانب الذي يراه ولا يمكن أن افهمه.

على الجانب الآخر يمد لي أحدهم كلتا يديه يعرض عليّ بكل كرم أن يرفعني لمستوى أعلى. فأنا في مكان منخفض قليلا ويمكن أن أُدفن بحفنة قليلة من التراب، أو أغرق في قطرة ماء. شعرت بالحرج فوضعت يدي في جيبي قائلا: لستُ بحاجة لذلك، إنّ في الحفرة باب يمكن الخروج منه في أيّ وقت، لكن أرغب الآن في أن أكون هنا، هل أنا خُلد؟ يعيش بنظر ضئيل ويدفن أنفه في تربه رطبة؟

الأشخاص الذين تحدثت معهم اليوم، لا اعرف شكل بؤسهم أو سعادتهم ولا حتى سكونهم أو صخبهم. إنهم يتفاعلون مع المحيط بالقدر الذي تسمح به القوانين الفيزيائية والمزاجية، لا يمكنهم الطيران شبر فوق الأرض إلا باستخدام طائرة، لا يمكنهم رفع إنسان من بؤسه إن لم يمد يديه.

يخبرني أني انظر للأمور بطريقة مختلفة! مختلفة لا تشبه مايراه رغم أننا نشاهد الشيء نفسه، يتعجب! ينفض رأسه كطير ابتل بقطرة ماء، لاتعجبه القطرة، يقول مبتسما أنت تدقق كثيرا وهذا ليس أنا، بل إني أفكر الآن كيف ترى الحياة؟ تضع أمام عينيك مجهر وهذه ليست نظرة واقعية.

الخميس 17 ديسمبر 2020:

ماذا سيحصل بعد قليل؟ ماذا يوجد خلف الباب؟ ماذا يوجد في العام القادم؟ ماذا حدث في الماضي؟ هل ساعرف وجوه الأجداد الذين رحلوا؟ ماذا سيقولون؟ ما هي اهتماماتهم؟ كيف يمضي ليلهم قبل الكهرباء؟ ماذا كانوا يفعلون قبل أن يكون لديهم مزرعة؟ هل فكروا بمن سيأتي بعدهم؟ أم أن المستقبل البعيد لا يعني لهم شيء لأنهم لن يكونوا هناك! إني في هذه الساعة لا أفكر بالقادمين من المستقبل، إذ لا وجود لهم بعد، ولا طريق للوصول إليهم! بينما الماضي لأنه حدث يمكن الوصول إليه، وإن كان مجرد حدث تاريخي هامشي، في أحداث التاريخ العظيمة، كانوا يعيشون ويسمعون بعض الأخبار وإن كانت لا تصلهم بشكل سريع كما يحدث الآن.

هل تكررت أشكالنا؟ أنت حين وصلت إلى هنا لتقرأ هذا السطر قادم من المستقبل أليس كذلك؟ وأنا انظر نحو الخلف لم اتمكن من رؤيتك ولا يمكن أن أخمن أنك قادم.

هنا تصل لنهاية الماضي، وتبدأ مستقبل آخر في صفحة أخرى.

يستخدم كل الأفعال ولا يدري ماذا يفعل

هي تقرأ، هي تضحك، هي تبكي، وأنا أُصغي، واكتفي بذلك. أعلم في أعماقي أني لستُ كتفا يُستند عليه، لكنها تفعل ذلك وتؤكد بلا مناسبة أني لو لم أكن بقربها لم تكن! ثم أفكر كيف تستمر الأسئلة بالانهمار والتفرع رغم أنها لم تجد إجابات مقنعة بعد؟ بل إن إجابة واحدة تتفرع إلى عدد لا نهائي من الاسئلة.

ماء البحر مالح، ماء النهر عذب، ودموعك مالحة أهي قادمة من بحر؟ أم تذهب إليه حين تنهمر من المقل؟ وريقك الذي يجف حين تفزع وحين لا تجد ماتقول هل فرّ إلى النهر؟ هل الأنهار تحمل إجابات جارية بعيدة عن أصحابها الذي لم يجدوا ما يقولوه في وقته المناسب؟

نؤمن باختلافنا وهذا شكل الحياة الطبيعي. تختار لأنك تظن أن عليك فعل ذلك، عليك أن تهتم بأمر ما، لكنك لا تشعر برغبة حقيقية في فعله، تختار السهل الذي يمكن استبداله أو لا بأس في تركه وقت طويل حين لا ترغب في الاهتمام، ترغب في أن تكون كسولا دون أن يتوقف الكون عن دورانه.

ينظر نحوهم إنهم يجمعون الضوء أراد أن يفعل ذلك أيضا، قالوا له أسرع قبل أن تشرق الشمس، فهي حين تأتي تصبح سلعتهم بلا قيمة، افزعه ذلك! ليته اختار شيء يسهل عليه ويصعب عليهم، كثير لدرجة لا تشعره بضرورة الركض والهرولة في كل الاتجاهات، تمنى أن يكون شمس أن يكون نجم وإن كان بعيد. يتساءل كيف تشعر النجوم البعيدة؟ أم أنها ترى هذا الكوكب بعيد وتتساءل عنهم أيضا؟

هي تغضب، هي تثرثر، هي تنسى غضبها وكل كلامها فور أن تنتهي، بل إنها لا تذكر يوما أنها كانت غاضبة، كان يكفيها أن تنكر غضبها أن يتلاشى الكلام خارجا من نوافذ الغرفة ومنساب أسفل الباب ثم تبدأ أفكارها الصامتة قائلة أنها لم تغضب يوما ولا تدري أي سبب يجعل الانسان يثرثر بلا توقف، كيف يحصل على الطاقة التي تكفيه للتفكير ثم الكلام؟وبشكل متواصل؟ إن الرد على سؤال كيف الحال، يبدو شاقا ومجهدا إذ على الانسان أن يكون صادقا في رده، عليه أن يجمع الأيام والأسابيع الماضية ويختصرها في كلمتين أو ربما ثلاث، إن رغب في الصدق سيختار قول: “الحمدلله، وأنت؟” لكنه لا يقصد السؤال وإنما الاطمئنان لا أكثر، لذلك يستبدلها بقول: “الحمدلله، اتمنى أن تكون كذلك”. أن تتمنى للآخر حياتك التي تحدث لك تماما، تبتسم بلؤم إذ أنه لا يدري إلى أيّ مدى قد يكون هذا الحمد أهو على السراء أو الضراء؟ وهل ستدعو عليه؟ أم تدعو له؟ إنه لن يعرف ذلك، إلا إن استفسر، وهذا لا يحدث فالسائل لبق بما يكفي لمعرفة حدود الكلمات والسؤال.

هي لا ترى هي لا تدري ولا ترغب في أن ترى أو تدري. في عالم اللامعرفة تكرر بصوت لا يشوبه أيّ عتب أو حتى امتنان، أوه لم أكن اعرف؟ وهل هذا جيد؟ اتمنى أن يكون كذلك. ما الذي يمكنني فعله؟ وهي لا تدري إن كانت ستفعل شيئا إضافيا لحجب الرؤية، لا تريد أن ترى فهي لا تدري ماذا تفعل بكل مارأته حتى الآن!

أفكر في علامات التعجب التي كانت تمر حولي طوال الوقت، هل كانت متعجبة أم أنها تتظاهر بذلك كما يفعل الناس عندما يسمعون خبرا ولا يعرفون إن كان جيد أم لا، تتناثر في الأرجاء لا تدري إن كانت في الجانب المشرق أم أنها في المنطقة الرمادية التي لم ولن يقرر أيّ جانب ستكون فيه، تظل هناك إلى أن يستعيرها متعجب على عجل من أمره، احتار في اختيار جانبه.

توقفت عن التفكير، إنه ليس زر وإنما اختار فكرة واحدة بسيطة وسهلة لادور حولها، هكذا يكون التوقف. مازلت أفكر في علامات التعجب واتعجب في المكان ولا أشعر بالاسراف إذ أنها لا تنتهي ولا تتضاعف، هي كما هي، حالها كحالك الذي أرجو أن يكون كذلك، هادئ ومطمئن ولا يرغب بأي شيء سوى أن يمضي هذا الشتاء سريعا، فأنا لا أحبه ولا أدري كيف مضت السنوات السالفة ببردها. ولا استطيع أن أبدل هذا الشعور السيء نحوها!

هي تحتار ورغم ذلك تقرر، وأنا جازم وقاطع لكن لا افعل ولا أرغب بذلك، استطيع كتابة قائمة من الأفعال لكني لا أدري ماذا يمكن أن أفعل بعد أن انتهي!

تحدي القائمة ٢٠٢٠

  1. رواية في مجال الفانتازيا والخيال. في ممر الفئران لاحمد خالد توفيق.
  2. كتاب في فن التعامل مع الآخرين. فن اللامبالاة لمارك مانسون
  3. كتاب عن التسويق. العرض الذي لا يقاوم لمارك جوينر
  4. كتاب تستعيره من صديق شرط ان تعيده. القندس لمحمد حسن علوان
  5. كتاب مصور كوميكس.  solo living كوري
  6. كتاب عن الفن.  الموسيقى الشرقية والغناء العربي قسطندي رزق
  7. كتاب عن الوحدة. اختراع العزلة لبول أوستر
  8. كتاب مكون من عدة اجزاء. وحي القلم للرافعي
  9. رواية تحكي قصة واقعيه. لا تقولي أنك خائفة لجوزيه كاتوتسلا.
  10. كتاب عن تاريخ دولة تتمنى زيارتها. أفريقيا لـ محمد رياض وكوثر عبدالرسول.
  11. كتاب طبع بدعم من منحه الترجمة. سارقة الكتب لماركوس زوساك
  12. كتاب نشر بعد موت كاتبه. هندباء برية لياسوناري كاواباتا
  13. كتاب محفز تشارك اصدقاءك بنصائحه. الحكم العطائية لابن عطاء السكندري
  14. كتاب ترددت باقتناءه بسبب غلافه أو عنوانه. ١٠دقائق و٣٨ثانية في هذا العالم الغريب لإليف شفق.
  15. كتاب تقرأ في اليوم العالمي للكتاب. سلسلة حقوق الطفل من ترجمات العبيكان.
  16. كتاب ترجمة كاتب. المؤمن الصادق لايريك هوفر وترجمة غازي القصيبي.
  17. كتاب من الأدب الصيني. من بدائع الأدب الصيني القديم.
  18. كتاب من الأدب الإندونيسي. رواية عساكر قوس قزح لأندريا هيراتا.
  19. كتاب عن احدى العلامات التجارية. الربحیة عبر منصة ِإیباي ebay
  20. كتاب في مجال الفلسفة. عزاءات الفلسفه لآلان دو بوتون
  21. قصة تقرأها للأطفال بصوت شخصيات القصة. داخل الحقيبة الحقيبة الصفراء ليو يونغ سو
  22. كتاب عن فلسفه الألوان. الألوان والاستجابات البشرية لفيبر بيرين
  23. كتاب من تأليف شخصية سياسية. هروبي إلى الحرية لعلي عزت بيغوفيتش.
  24. كتاب غلافه لوحة فنية. يوتوبيا لأحمد خالد توفيق
  25. كتاب يختاره لك احد أفراد اسرتك. اسمي احمر لاورهان باموق.
  26. كتاب تعتقد انه مناسب للكبار والصغار. الامير الصغير لأنطوان دو سانت إكزوبيري
  27. كتاب صدر هذا العام عن دار نشر تفضلها. النص المعنف أن نقرأ ونحب ما نقرأ لعبدالدائم السلامي لدار مدارك.
  28. كتاب تنهيه في أوقات الانتظار. كتاب المواصلات: حكايات شخصية لقتل الوقت لعمر طاهر
  29. كتاب يساعدك بالتعرف على أحد الأمراض. اختراق التوحد: الطريقة الرائدة التي ساعدت العائلات في جميع أنحاء العالم
  30. كتاب عن قصص وثقافات الشعوب. مجموعة قصصية النوم عند قدمي الجبل لحمور زيادة

عشر قصص قصيرة جدا

تسكن الطرقات

حملها معه مسافات طويلة، وحين عاد إلى المنزل غسل الوحل العالق في حذاءه قائلا: الطرقات مليئة ببرك الأمطار التي لا يمكن تجاوزها إلا بالسير فوقها. لطخة الوحل الملتصقة كانت تظن أنها ذاهبة إلى البيت، لكنها تجد نفسها تعود للطريق مجددا بعد كل هطول.

ـــــــــ . ـــــــــ

نتيجة صفرية

العملية الحسابية السهلة تلك التي لا تحمل أيّ أرقام، النتيجة فيها صفر. أكثر رقم يمكن أن يعلق في ذاكرتك دون مجهود لتذكره. لا ربح ولا خسارة، ذلك ما كان يردده عندما يسأله أحد عند نتيجته في أمر ما، يردد: حصلت على صفر.

ـــــــــ . ـــــــــ

غير متصل

يعود دائما ليؤكد غيابه.

ـــــــــ . ـــــــــ

مؤمن

كان مؤمن بشدة، وإن لم يظهر على سيماه أيّ مظهر للتدين.

ـــــــــ . ـــــــــ

مُغلق

يدري أنه شخص سيء، علم ذلك في قرارة نفسه دون أن ينتظر تأكيد ذلك من أسرته أو اصدقائه، ولأنه لا يستطيع مغادرة نفسه أغلق الباب وترك المفتاح في الخارج حتى لا يتمكن من الدخول إلى نفسه فيفسدها.

ـــــــــ . ـــــــــ

فضيلة أن لا تكون أحد**

سموّه في الماضي ظل واعجبه ذلك. إذ أنه يستطيع أن يشعر بالآخرين ويكتب عنهم. استمرت محاولاته في تتبعهم ومحاولة محاكتهم حتى وإن فقد بوصلته، لم يرغب ولا يرغب في التخلي عن انعكاسه، حتى قيل له: “وما شأنك بغيرك؟ أنت لست هم، بل أنت هو أنت”.

ـــــــــ . ـــــــــ

فضول المستقبل

يشعر بالفضول دائما ماذا سيحدث له في الغد؟ مانتيجة الاختبار والمباراة وطعم المخلل الذي أغلق للتوّ، لا يستطيع أن يمنع تلك اللهفة في ماسيحدث، ظل يستيقظ كل يوم، مرت مئات الأيام التي لا يحدث بها شيء، حتى توقف عن الاستيقاظ وظلت لهفته تدور في غرفة مُغلقة لاتدري كيف تخرج من مكان لا أبواب فيه ولا نوافذ.

ـــــــــ . ـــــــــ

ماذا بعد؟

ماذا يوجد على الجانب الآخر؟ في الجهة المقابلة من الجبل، في ظهر الورقة، خلف ابتسامه مُصطنعة؟ كان يفكر دائما ماذا يوجد خلف الأشياء التي يقف أمامها، ما خلف الدنيا؟ وماذا يوجد وراء الجحيم؟

ـــــــــ . ـــــــــ

غير قابل للتجفيف

سأل والدته حين كان صغيرا لماذا تنشرين الغسيل؟ قالت: حتى يجف ولا يتعفن من الرطوبة. يرغب الآن بعد مرور عشر سنين أن يعصر قلبه ورئته وكبده ويجففها ضوء الشمس، أنه يتعفن، لذلك يريد أن ينشر أحشاءه.

ـــــــــ . ـــــــــ

سلحفاة للاستبدال

وهو يسير مسرعا في حياته توقف متفكرا إن كان باستطاعته استبدال هذه الحياة بحياة أخرى؟ أن يذهب لواجهه محل ما ويختار حياة أبطأ وأقل تسارع؟ أو أن يكتب في سوق الكتروني ما أنه يرغب في استبدال الحياة التي عاشها راكضا بحياة شخص يزحف ويخطو خطواته وكأنه حلزون أو سلحفاة بأقل مايمكن من الوقت. مع ملاحظة صغيرة في نهاية الاعلان أنه يرغب في أخذ سعادته ورضاه معه!

يوم واحد طوال السنة

كل شيء على ما يرام، وهذا مُقلق؟ عليّ أن أجزّ أسناني أن أهلع من أمر سيحدث، لكن ذلك لا يحدث. اضع رأسي ليلا فأنام فورا، استيقظ في الصباح الباكر بلا منبه، يبدأ اليوم سريعا تتوالى المكالمات الواحدة تلو الأخرى، أشعر أني أتكرر، أدور في دوائر لها نفس الحجم والبداية والنهاية. التفكير في المهمة التالية يفسد صفاء العمل الذي أقوم به رغم أنه مهم -ليس مهم وإنما مفيد، ليس مفيد وإنما لا ضرر منه! أنهي المكالمة على عجل، اكتب هذا السطر بلا تدقيق لأني أفكر في ما سأفعله بعد ذلك! وهل سيكفي الوقت أم أحتاج المزيد؟ رغم تكراره عليّ الحصول على نتيجة أفضل.

في المرات التي أشعر أني اتضاءل أصغر وأصغر وأصغر، أحاول أن اتشبث بشيء ما، حتى لا اتبخر، اخشى هذا الزوال وأن لا أكون، رغم أني رجوت في أوقات كثيرة أن لا يراني أحد، حتى نفسي اتمنى أنها ليست أحد.

إن يومك الذي يتكرر، هو أنت، وليس ظروفك! يمكنك أن تلوم أشياء كثيرة، لكنك في قرارة نفسك تعرف أنه لا ملامة إلا لنفسك. انظر إلى الماء الذي يتغير شكله بكل الأوعية التي يُصب داخلها، لكنك لست ماء؟ ولا يسهل أن تنساب وأن تنسكب وأن تفيض إن كان العالم لا يكفيك، أن تلون نفسك بالقهوة والشاي وأن تعكس لون السماء إن لم تستطع أن تختلط بأيّ لون آخر.

تعلّم يقينا أن يومك يشبه عاما باكمله على هذا الكوكب. حين عُزل الناس عن بعضهم البعض لم يتغير فيك شيء، سوى شراهتك في تناول الطعام، والتهامك أسطر الكتب، ومحاولة عينيك أن تفتح على مصراعيها لتتبع أحداث شخصيات في قصص مُتخيلة، وسير ذاتية لأشخاص لم يعد لهم مكان فوق السطح، إنهم في الأعماق، أعماق الكتب والأرض وصدور الناس.

أعلم أيضا أنك رد فعل لا أكثر، تطبيق عملي لقانون فيزيائي-، إن تركتني على الرف لن اتحرك. أحاول جاهدًا أن أكون قطعة جامدة – فيروس ربما؟- منتظرا قوة سواي تدبّ الحركة فيّ لاتحرك بمقدار ماحصلت عليه، لا أكثر لا أقل. أعود فأفكر بالأسئلة التي سألها آخرون لن يكرروا السؤال مجددا لأن سؤالهم في المرة الأولى كان على قدر من الترقب والتردد من أن تكون ردة فعلي غاضبة – رغم أني لا اعرف كيف يمكن أن أغضب أو لماذا عليّ فعل ذلك-، حين سألني: هل أنت مجنون؟ اجبت ببساطة: لا. وصمت متسائل كيف يعرف من فقده عقله أنه فقده؟ سأل مستوضحا ومتأكد من أني لن أنزعج من سؤاله: هل كنت مريضا نفسيا في سنوات مضت؟ هل تناولت أدوية تعالج أيّ خلل في دماغك؟ اجبت نافيا أيضا. وتساءلت مرة أخرى هل يكفي أن نكون أسوياء لمجرد أننا لم نتناول أيّ عقار طبي؟ إن بقاء شخص مثلي يعيش حياته بقدر ما يستطيع، مُستقبلا كل ما يستقبله أهل الأرض من نعم وهبات منتظرا المزيد. متفكرا كيف اعرف إن كنت بحاجه إلى المزيد من ذلك على شكل عقار أو اهتمام متخصص. وهل يعمل عقلي كما تدور رحى الآخرين؟ أم أن الحركة مختلفة والسرعة تتفاوت لكن عليها أن تكون ضمن النطاق القانوني! إن كانت أقل فهذا غباء وإن كانت أسرع فهذا جنون، أو ربما العكس؟

كل شيء على مايرام! هل أنا مُتأكد من ذلك؟ أم أني اعيش حالة انكار؟ وأن أسوأ الأمور تحدث الآن ولكن اتجاهل ذلك واعيش كما اعتدت أن افعل؟ استيقظ باكرا وافعل كل ما افعله وأدور وأدور حتى ينتهي اليوم الذي يشبه العام. فهل أنا بخير؟ هل اعتدت أن أكون كذلك؟